الشرع يطرح "السلام الشامل"... فهل تستجيب إسرائيل؟
رفع الرئيس السوري أحمد الشرع، قبل ساعات من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سقف حديثه عن إسرائيل من "اتفاق أمني" إلى إمكان التوصّل إلى "السلام الشامل"، في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية توغلاتها في الجنوب السوري. وجاء التصريح بينما أكدت أحدث إحاطة أممية انفتاح دمشق على ترتيبات أمنية، لكنها تحدثت عن غياب أي "تقدم ملموس".
سلام شامل... مع الجولان
قال الشرع في مقابلة مع "الجزيرة" إن دمشق تعمل، بمشاركة دول عدة، للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يمهد أمام "سلام شامل"، مع تمسك سوريا بحقها في الجولان المحتل. وتمثل هذه الصيغة تحولاً مقارنة بموقفه في أيلول/سبتمبر الماضي، حين وصف الاتفاق الأمني بأنه ضرورة قد تفتح الباب أمام ترتيبات أخرى، لكنه أبقى السلام والتطبيع خارج النقاش.
وتزامن هذا التحول مع استمرار التوغلات والاعتقالات الإسرائيلية في القنيطرة، وبقاء الخلاف قائماً حول الانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل بعد سقوط النظام، ومنطقة جبل الشيخ، إضافة إلى مطلبها الاحتفاظ بحرية العمل العسكري داخل سوريا.
ونقل موقع "أكسيوس" أن أشهر الوساطة الأميركية لم تنجح في إقناع حكومة نتنياهو بتقديم التنازلات المطلوبة، وفي مقدمها الانسحاب التدريجي من المناطق التي دخلها الجيش الإسرائيلي، ما أبقى جوهر الخلاف في مكانه رغم ارتفاع سقف الطرح السوري.
كذلك، اكتسب توقيت الرسالة زخماً بعد زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لدمشق، الذي شدد على أن الجولان أرض سورية ودعا إسرائيل إلى احترام اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، فضلاً عن اتصال الشرع بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي تناول خفض التصعيد والتوصل إلى "اتفاق شامل يحقق السلام المستدام".

تنافس تركي - إسرائيلي
تأتي هذه التحركات فيما تتحول سوريا إلى ساحة تنافس مباشر بين تركيا وإسرائيل. فقد عززت أنقرة حضورها العسكري والأمني، من تشغيل منظومات الرادار في مطار دمشق إلى زيارة فرقاطة تركية للساحل السوري، بينما تسعى إسرائيل إلى إبقاء الجنوب السوري منطقة ضعيفة ومنزوعة القدرات، خشية أن يؤدّي استقرار دمشق إلى توسيع النفوذ العسكري التركي وتقليص هامش تحركها.
ويقدّم الشرع بناء دولة سورية مركزية تضبط الحدود وتمنع عودة النفوذ الإيراني وشبكات تهريب السلاح باعتباره مدخلاً لحماية أمن إسرائيل، في مقابل المقاربة الإسرائيلية القائمة على المناطق العازلة وحرية تنفيذ الضربات. وتتقاطع هذه الرؤية مع مصالح تركيا وقطر، كما تمنح واشنطن تصوراً قد يخفف كلفة الاحتكاك التركي - الإسرائيلي، إلا أن أي تقدم سيبقى معقداً إذا أصرت تل أبيب على تقييد الوجود العسكري التركي واستمرار سيطرتها الأمنية في الجنوب.
لبنان و"قسد"... عقدتان متلازمتان
يدخل لبنان مباشرة في حسابات هذا المسار. فقد كرر ترامب أن الشرع قادر على التعامل مع "حزب الله" بصورة أفضل من الجيش الإسرائيلي، فيما اعتبر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الحزب يشكل عدوّاً للحكومة السورية، داعياً دمشق إلى ضبط حدودها والتركيز على أولوياتها الداخلية.
ورد الشرع برفض أي تدخل عسكري في لبنان، مؤكداً دعمه حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة اللبنانية، مع الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة مع مختلف الأطراف. وفي الوقت نفسه، تشدد دمشق الرقابة على الحدود لمنع انتقال السلاح والحد من النفوذ الإيراني، لكنها ترفض الانخراط في مواجهة مباشرة مع "حزب الله" أو إرسال قوات إلى لبنان، رغم استمرار الضغوط الأميركية، مقابل اتساع التحذيرات الإيرانية من أي دور سوري يستهدف الحزب.
وفي الداخل، يبدو ملف "قسد" الأكثر حركة مع استمرار تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس ببطء، فيما تعكس التحركات العشائرية في شرقي الفرات محاولة دمشق تعزيز أوراقها التفاوضية. وأي تصعيد ميداني قد يعيد خلط ملفات الحدود والأقليات والنفوذ التركي، وقد يمنح إسرائيل فرصة لإرباك انتشار الجيش السوري أو الحد من توسع سلطة دمشق.
أما السويداء، فتبقى العقدة الأكثر ارتباطاً بالتدخل الإسرائيلي. فعلى الرغم من تأكيد المبعوث الأميركي توم براك أن المحافظة جزء لا يتجزأ من سوريا، لا تزال إسرائيل تحتفظ بقدرتها على التدخل تحت عنوان حماية الدروز، فيما تضيف الطروحات المتعلقة بمناطق منزوعة السلاح وترتيبات الجنوب تعقيدات جديدة أمام استعادة دمشق سيادتها الكاملة.
وهكذا، نقل الشرع النقاش من اتفاق أمني محدود إلى طرح "السلام الشامل"، لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً باستعداد إسرائيل لتقديم تنازلات، وفي مقدمها الانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام والتخلي عن مطلب حرّية التدخل العسكري داخل سوريا. وحتى الآن، تشير المعطيات إلى أن العقبة الأساسية لا تزال تكمن في الموقف الإسرائيلي، ما يجعل أيّ اتفاق محتمل أقرب إلى إدارة الصراع منه إلى إنهائه، ويؤجّل الوصول إلى تسوية شاملة تعيد لسوريا سيادتها الكاملة على أراضيها.