السياحة الداخلية.. المغاربة يعيدون رسم خريطة عطلتهم الصيفية لعام 2026

رغم استمرار الوجهات الساحلية بشمال المغرب في تصدرّ مشهد السياحة الداخلية خلال فصل صيف 2026، فإن سلوك المسافر المغربي يشهد تحولات متسارعة، عنوانها: الحجز في اللحظات الأخيرة، وتقليص مدة الإقامة، والبحث عن تجارب سياحية أصيلة ووجهات طبيعية بعيدة عن الاكتظاظ.

ومع دخول الموسم الصيفي لعام 2026 ذروته، يؤكّد مهنيون أن السياحة الداخلية لم تسجّل، حتى الآن، الانتعاش الذي طبع المواسم السابقة، حيث يصفون السوق بأنها أصبحت أكثر حذراً، في ظل ارتفاع حساسية الأسر تجاه النفقات، وتأجيل قرارات السفر إلى الأيام الأخيرة.

 

وفي هذا السياق، أوضح منير الشامي، رئيس المنظمة المغربية للنقل السياحي، أن نهائيات كأس العالم 2026، المقامة بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، أثرت بشكل مباشر على وتيرة السياحة الداخلية.

وأضاف موضّحاً: “منذ انطلاق الموسم الصيفي لعام 2026، لم نسجّل ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على خدمات النقل السياحي الداخلي، لأن شريحة مهمة من المغاربة فضّلت تخصيص جزء كبير من ميزانية عطلتها لمتابعة نهائيات كأس العالم 2026، وهو ما دفعها إلى تأجيل سفرها داخل المغرب”.

وأضاف أن الطلب ما يزال قائماً، لكنّه تغيّر في طبيعته، حيث ارتفعت الحجوزات المتأخرة، وأصبحت الإقامات أقصر، فيما ازدادت حساسية الزبائن تجاه الأسعار، الأمر الذي يفرض على الفاعلين السياحيين تطوير عروض أكثر مرونة وتنافسية.

شمال المغرب يحتفظ بريادته

ورغم هذا الظرف، ما تزال مدن الشمال، وفي مقدّمتها طنجة وتطوان والمضيق والفنيدق والحسيمة، الوجهة المفضّلة للأسر المغربية خلال الصيف، بفضل سهولة الوصول إليها، وتنوّع شواطئها، وغنى مؤهلاتها الطبيعية والتراثية.

وأكّد منير الشامي أن الوجهات الشمالية، إلى جانب المحطات الشاطئية والمناطق الجبلية، لا تزال تستقطب أكبر عدد من الزوار، وإن كان الإقبال أقل من المستويات المعتادة خلال هذه الفترة من السنة.

من جهتها، أوضحت رقية العلوي، رئيسة المجلس الجهوي للسياحة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، أن هذه المدن ما تزال تشكّل خيارات مضمونة، غير أن السياح باتوا يبحثون أكثر فأكثر عن وجهات جديدة وأقل ازدحاماً، بما يعكس تغيّراً واضحاً في أنماط الطلب السياحي.

وجهات جديدة تفرض حضورها

ويستفيد من هذا التحول عدد من الوجهات التي ظلّت لسنوات بعيدة عن الأضواء. فمدينة شفشاون تواصل استقطاب الزوار بفضل طابعها الأصيل، بينما أصبحت منطقة أقشور من أبرز الوجهات المفضّلة لعشاق الطبيعة والمشي الجبلي.

كما تشهد مناطق وادي لاو، والسطيحات، والجبهة، وقاع أسراس إقبالاً متزايداً من الأسر الباحثة عن شواطئ هادئة ومناظر طبيعية بكر.

وفي السياق ذاته، تواصل الداخلة تعزيز مكانتها ضمن الوجهات السياحية الصاعدة، مستفيدة من تنوّع عروضها السياحية والرياضية، في وقت يدعو فيه المهنيون إلى إعادة الاعتبار لوجهات أخرى، من قبيل أصيلة والعرائش والقنيطرة ومرزوكة، لما تزخر به من مؤهلات طبيعية وثقافية لا تزال دون مستوى الاستغلال.

التجربة السياحية تتقدّم على الوجهة

ويرى الفاعلون في القطاع أن السائح المغربي لم يعد يبحث فقط عن الإقامة في فندق أو قضاء عطلة على الشاطئ، بل أصبح يفضّل خوض تجربة متكاملة تجمع بين الطبيعة والثقافة وفنون الطبخ المحلي والتفاعل مع الساكنة.

وتعرف أنشطة المشي في المنتزه الوطني لتلاسمطان، والرحلات الجبلية في الريف، إضافة إلى رياضات الكاياك والتجديف والغوص، إقبالاً متزايداً، خصوصاً من فئة الشباب.

كما أصبح الزوار أكثر اهتماماً باكتشاف المنتجات المحلية، والتعرّف على العادات والتقاليد المحلية، في وقت تلعب فيه شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الحجز الإلكتروني دوراً محورياً في توجيه اختياراتهم.

وأدى هذا التحول إلى انتشار ثقافة الرحلات القصيرة الموزّعة على مدار السنة، بدلاً من الاقتصار على عطلة صيفية واحدة طويلة.

فئات جديدة تقود الطلب

ورغم استمرار الأسر في تصدّر الطلب على السياحة الداخلية، فإن الشباب العاملين، ومجموعات الأصدقاء، والأزواج الشباب، أصبحوا يشكّلون شريحة متنامية من الزبائن، بفضل إقبالهم على الرحلات القصيرة والتجارب المشتركة.

وفي المقابل، ما يزال عدد مهم من المغاربة يفضّل قضاء عطلته خارج البلاد، حيث تتصدّر إسبانيا قائمة الوجهات الأوروبية الأكثر استقطاباً، فيما تعزز تركيا مكانتها سنة بعد أخرى، إلى جانب وجهات بعيدة مثل جزيرة بالي وجنوب إيطاليا.

ويرى المهنيون أن استعادة هذه الفئة من المسافرين تقتضي تعزيز الترويج لمختلف جهات المملكة، وإبراز المؤهلات السياحية للمناطق الأقل شهرة.

الابتكار مفتاح تنشيط السياحة الوطنية

ويؤكد عدد من الفاعلين والمهنيين أن المغرب يتوفر على إمكانات سياحية كبيرة غير مستغلة بالشكل الكافي، سواء على طول الساحل المتوسطي الممتد بين وادي لاو والجبهة، أو في جبال الريف التي تزخر بمؤهلات واعدة للسياحة البيئية، والمشي الجبلي، والسياحة الرياضية، فضلاً عن مدن مثل وزان التي تحتضن رصيداً روحياً وثقافياً يستحق مزيداً من التثمين.

وشدّدت رقية العلوي على أن التحدّي المطروح اليوم يتمثّل في بناء عرض سياحي مستدام يحترم البيئة، ويحقق قيمة مضافة لصالح الساكنة المحلية.

من جانبه، دعا منير الشامي إلى تجديد العرض السياحي الوطني، مؤكّداً أن الترويج يجب أن يشمل جميع جهات المغرب، مع إبراز الوجهات غير المعروفة، وابتكار منتجات وتجارب سياحية جديدة، وتطوير مرافق الإيواء والأنشطة الترفيهية.

وختم قوله: “إن الابتكار يظلّ السبيل الأمثل لإعطاء دفعة جديدة للسياحة الداخلية، لأن تشابه العروض السياحية بين مختلف الوجهات يفقد السائح الوطني الحافز لاكتشاف مناطق جديدة داخل بلاده”.

اقرأ المقال كاملاً على لكم