قضية الصحراء المغربية تواصل فرض الواقعة السياسية بالأمم المتحدة
في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، برزت خلال أشغال الدورة الموضوعاتية للجنة الرابعة والعشرين الخاصة بإنهاء الاستعمار مواقف محدودة ومعزولة جددت التمسك بالطرح التقليدي للنزاع حول الصحراء المغربية، في مقدمتها ناميبيا وتيمور الشرقية وإيران، التي أصرت على إدراج الملف ضمن مقاربة “تصفية الاستعمار” وربط تسويته بخيار تقرير المصير وفق التصورات الكلاسيكية.
وتترجم هذه المداخلات، بحسب مجمل فحواها، تمسكا بقراءات متجاوزة في السياق الأممي الحالي، حيث ظل أصحابها خارج نسق التحول الذي يشهده التعاطي الدولي مع الملف، في وقت تتسع فيه دائرة الدول المنخرطة في دعم مقاربة الحل السياسي الواقعي، وعلى رأسها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وفي المقابل، اصطدمت هذه المواقف محدودة التأثير بزخم دبلوماسي متقدم داخل اللجنة، تجسد في اصطفاف واسع لدول عربية وإفريقية وكاريبية إلى جانب المبادرة المغربية، باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي، تنسجم مع التوجهات التي كرستها قرارات مجلس الأمن الأخيرة، ولا سيما القرار رقم 2797.
وقد أظهرت مداخلات غالبية الوفود المشاركة اتجاها واضحا نحو تجاوز الإرث المفاهيمي المرتبط بالحرب الباردة، والانخراط في مقاربة سياسية عملية ترتكز على الحلول التوافقية والدائمة، تحت إشراف مجلس الأمن وضمن الدينامية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا.
كما يعكس هذا التحول اتساع قاعدة الدعم الدولي للمقترح المغربي، الذي يحظى بتأييد أكثر من 130 دولة عضو في الأمم المتحدة، إلى جانب التمظهرات الدبلوماسية لهذا الدعم عبر افتتاح أزيد من 30 قنصلية عامة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، الشيء الذي يترجم الانتقال التدريجي من منطق الجدل النظري إلى الاعتراف الإجرائي.
مواقف معزولة
قال عبد الرحيم المنار السليمي، رئيس المركز الأطلسي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات، إن ما يجري في بعض اللقاءات الأممية خلال الشهور الأخيرة، وعلى رأسها أشغال اللجنة الرابعة والعشرين، لا يمكن فصله عن السياق الشامل لتطور ملف الصحراء المغربية، الذي يعيش، بحسب تقديره، مرحلة انتقالية متقدمة باتت فيها موازين المعادلة الدولية تميل بشكل تدريجي لصالح الطرح المغربي، في أفق تبلور مخرجات نهائية قد تقود إلى إغلاق الملف بشكل نهائي.
وأوضح منار السليمي في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية أن هذه المرحلة الانتقالية تجسد تحولا بنيويا في مقاربة المجتمع الدولي للنزاع، حيث لم تعد الأطروحات التقليدية تحظى بالزخم نفسه، مقابل صعود واضح لمقاربة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق على ضوء الدينامية التي كرستها قرارات مجلس الأمن، ولاسيما القرار 2797.
وأكد أستاذ الدراسات السياسية والدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المواقف المناوئة للمغرب داخل اللجنة الرابعة والعشرين، وعلى رأسها ناميبيا وتيمور الشرقية وإيران، تبقى محدودة من حيث التأثير والامتداد، رغم التقاطع الظرفي في خطابها الداعم لأطروحة “تقرير المصير”، مشيرا إلى أن هذه المواقف لا تستند إلى أرضية سياسية واحدة، ولا تعكس اصطفافا دوليا متجانسا.
وبخصوص هذه المواقف، شدد الخبير في نزاع الصحراء على أن ناميبيا تتحرك ضمن إرث تاريخي مرتبط بتجارب التحرر الإفريقي وذاكرة الحرب الباردة، في حين تنطلق تيمور الشرقية من إسقاطات تجربتها الخاصة في مسار الانفصال عن إندونيسيا، وهو ما يجعلها، بحسب تعبيره، أسيرة تمثلات لا تعكس خصوصية السياق المغربي.
ولفت منار السليمي الانتباه إلى أن الحالة الإيرانية تختلف جذريا عن باقي الحالات؛ إذ تتغذى على خلفيات سياسية وصراعية ممتدة، تتقاطع فيها حسابات إقليمية مرتبطة بطبيعة العلاقات مع النظام الجزائري، بما يجعل موقفها أقرب إلى الاصطفاف السياسي منه إلى المقاربة الحقوقية أو القانونية.
وتابع قائلا: إن القاسم المشترك بين هذه الأطراف هو محدودية التأثير الفعلي داخل مسار القرار الأممي، حيث تظل مواقفها ذات طابع خطابي أكثر منه عملي، في مقابل اتساع قاعدة الدول الداعمة للمقاربة المغربية، سواء داخل الأمم المتحدة أو خارجها، الشيء الذي يعكس تحولا تدريجيا في اتجاه ترسيخ منطق الحل السياسي الواقعي.
وأورد المحلل السياسي ذاته أن الرهان اليوم لم يعد مرتبطا فقط بإثبات وجاهة الطرح المغربي، بقدر ما أصبح يرتكز على تحويل هذا الإجماع الدولي المتنامي إلى أدوات ضغط مؤسسي داخل المنظومة الأممية؛ الشيء الذي يفرض تسريع الانتقال نحو مرحلة ما بعد الدينامية الحالية، خاصة في أفق الاستحقاقات الأممية المقبلة.
واسترسل أستاذ الدراسات السياسية في القول إن التعامل مع هذا التحول يقتضي مقاربة مزدوجة، تقوم من جهة على تعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية باعتبارها نموذجا ملموسا للاندماج والاستقرار، ومن جهة ثانية على تتبع التطورات داخل مخيمات تندوف، في ظل التغيرات الميدانية التي باتت تعكس تفاعلات مع الطرح المغربي.
وخلص عبد الرحيم المنار السليمي، أن المرحلة المقبلة تستدعي أيضا استعدادا دبلوماسيا استباقيا لمرحلة ما بعد المبعوث الأممي الحالي، وما قد يترتب عن التحولات المنتظرة في جدول أعمال مجلس الأمن سهر أكتوبر القادم، مشددا على أن “حسن إدارة هذه المرحلة سيكون حاسما في ترجيح مسار التسوية النهائية”.
نسق إيديولوجي
يرى زكرياء أقنوش، الخبير في الأنثروبولوجيا السياسية أن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية يعيش مرحلة مفصلية تتجه نحو ترسيخ منطق “مأسسة الأمر الواقع” داخل المنظومة الدولية، في ظل تراجع تدريجي لفاعلية الأطروحات التقليدية التي ما تزال تتبناها بعض الدول المحدودة.
وأضاف أقنوش، في إفادة لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن تمسك كل من ناميبيا وتيمور الشرقية وإيران بخيار “تقرير المصير” باعتباره الآلية الوحيدة لتصفية الاستعمار، لا يعكس توازنا فعليا داخل النظام الدولي، بقدر ما يجسد، وفق قراءته، استمرارا لنسق إيديولوجي متجاوز يعود إلى سياقات الحرب الباردة، ولم يعد قادرا على التأثير في مخرجات القرار الأممي.
وأوضح المتحدث ذاته أن التحولات الجارية داخل مجلس الأمن، ولا سيما ما تضمنه القرار 2797، تعكس انتقالا واضحا من منطق الحلول النظرية غير القابلة للتطبيق إلى مقاربة سياسية واقعية تقوم على التوافق والديمومة، وهو ما أعاد، بحسبه، تمركز مبادرة الحكم الذاتي كإطار أكثر جدية ومصداقية في التعاطي مع هذا النزاع.
وبخصوص الدينامية الدبلوماسية المرتبطة بالملف، أكد الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس أن المعطيات الميدانية تعكس تحولا بنيويا في موازين التأثير، تجسد في توسيع دائرة الاعتراف العملي عبر افتتاح عشرات القنصليات في الأقاليم الجنوبية، إلى جانب الدعم السياسي المتنامي الذي تحظى به المبادرة المغربية من أزيد من 130 دولة عضو في الأمم المتحدة.
ونبه المحلل السياسي عينه إلى أن هذه المؤشرات تعكس انتقالا تدريجيا من منطق التأييد السياسي إلى منطق الالتفاف المؤسساتي، الشيء الذي يسهم بشكل مباشر في تعزيز حضور السيادة المغربية على الأرض وتقليص هامش التأثير للمقاربات المناوئة.
واستدرك قائلا: إن استمرار بعض الأطراف في التمسك بخطاب متجاوز داخل أروقة الأمم المتحدة يظل معزولا عن التحولات الجارية، ويكشف محدودية القدرة على مواكبة إعادة تشكيل التوازنات الدولية حول هذا الملف.
وأنهى أستاذ الأنثروبولوجية السياسية بالتأكيد أن مستقبل الملف يتجه نحو ترسيخ معادلة واضحة قوامها السيادة المغربية في إطار حكامة ترابية مرنة عبر مبادرة الحكم الذاتي، مشددا على أن المواقف المناوئة ستظل ذات طابع رمزي غير مؤثر في هندسة التسوية النهائية التي تتبلور تدريجيا داخل المنظومة الأممية.
The post قضية الصحراء المغربية تواصل فرض الواقعة السياسية بالأمم المتحدة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.