الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله يبرز قوة الأدب في معركة الهوية
قال الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله إن “القصص التي لا نكتبها تصير ملكا لأعدائنا، وكل ما ننساه يصب في مصلحتهم”، مردفا: “هناك سردية فلسطينية، وخرافة صهيونية تروج على أنها سردية، ومخترعة في الماضي وتسوّق لنا، فهناك صراع السردية مع الخرافة”، مع تأسفه لـ”تسلل الكيان الصهيوني لا بخرافته فقط، بل بدباباته وإباداته وهمجيته للعالم العربي”.

جاء هذا في “لقاء خاص” مع الأديب الفلسطيني طرح أسئلته الكاتب والإعلامي المغربي ياسين عدنان بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في دورته 31، حيث تحدث عن “أدب الندب” منذ احتلال فلسطين وحتى الستينيات، الذي تمحور حول “الخيمة والبكاء”، ثم استطاع بعد ذلك الأدب الفلسطيني “القيام بقفزة استثنائية مع شعراء المقاومة، الذين لم يأتوا من فراغ بل بناء على هذا التراث (…) فالأدب الفلسطيني كتاب كبير، كتب فيه غسان كنفاني فصلا، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمود درويش، وسميح القاسم… وكل الشعراء والكتاب؛ ولا أشك مطلقا أنه أكثر عامل مؤثر في إعادة بناء الهوية الفلسطينية على الإطلاق”.
وتابع الأديب ذاته: “أدرك بعد ذلك أدب المقاومة أنه جزء من الكتابة العالمية، وإذا لم يستطع أن يكون جزءا منها فإنه لم يقم بدوره”، ثم عبر عن رأيه قائلا: “أريد أن يشتري القارئ الكتاب الفلسطيني لا تعاطفا مع فلسطين، بل لأنه كتاب جيد، وأدرك أنه عند قراءة الكتاب الجيد سيحب فلسطين أكثر”، ثم استدرك: “كل طفل فلسطيني يقتل كان يمكن أن يكون كاتبا وموسيقيا وعالما… الحياة تستحق أن ندافع عنها دائما”.

وواصل المتحدث نفسه: “أول ما قام به الصهاينة، في ثلاثينيات القرن الماضي، تشكيل لجنة إعادة تسمية المدن والجبال والقرى والوديان والصخور الفلسطينية، ثم محو القرى فعلا، بإبادتها، ومحو الناس بالجرائم والإبادات المتوالية. كل إنسان يقتل إبادة، وتراكم الضحايا والشهداء إبادات، والكتابة تواجه الإبادة والمحو، وسرقات الأرشيف وقتل الأناس ومن بينهم فنانون وأساتذة وطلاب… وآلاف العاهات المستديمة في صفوف الأطفال… والإبادات لا تتوقف ولو توقفت الحرب، فكل من فقد الأم أو الأب أو الصديق أو الحبيب تستمر الإبادة فيه حتى الموت”.
في هذا الإطار يفهم مشروع نصر الله لكتابة “تاريخ روائي لفلسطين”؛ ولو أن الأمر يعني “الكتابة عن زمن لم أكن فيه، فقد كنت بحثت عن رواية عما حدث قبل 1948، وكنت أعرف كيف كان أبي وأمي طفلين، وفلسطين الزاخرة بكل شيء، وشهادات عنها… لكن لم أجد رواية… فبدأت التفكير تحت وطأة رحيل كبارنا، بتحسس الفترة، والجلوس معهم، والاستماع لهم، وكان طموحي كتابة رواية منذ دخول الإنجليز 1917 إلى سنة 1948… لكن لكثرة ما عملت وجدتني أكتب من المرحلة العثمانية، وأول محاولة تكوين وطن في فلسطين في القرن 18 قادها ظاهر العمر الزيداني… وعصر بناء الدولة حجرا حجرا. وخمسون سنة من النشر مهمة صعبة جدا”.

لكن يشدّد إبراهيم نصر الله على أن “أهم ما ثبت في التاريخ الفلسطيني أن الصغار يتذكرون أكثر من الكبار… فالكبار كانوا يتذكرون بقوة الحنين، لكن في الشبيبة الحنين يبنى على وعي عميق، أي إنه حنين واعٍ؛ وهذه مسألة مختلفة مع شباب في فلسطين ومناطق من العالم من بينها المغرب، حيث يوجد شباب يتعلقون بوعي لا بالتعاطف فقط، فالوعي والحس العميق بالشيء يضمنان الاستمرار”.
وعاد الأديب عينه إلى أهمية الرواية قائلا: “غسان كنفاني من الكتاب الذين أدين لهم بالكثير، وأنا في الصحراء السعودية تحت الصفر، لسنتين، لمست أثر الكتابة على البشر مع كتاباته، وكان بوصلتي للخروج (…) كان يعي أهمية الكتابة، ومشروع روايته غير المكتملة ‘العاشق’ (…) مشروعه الملحمي، فهو كتب روايات قصيرة لأنه لم يكن له وقت، مع مجلة “الهدف” التي كان يحرّرها (…) كان طاقة استثنائية، يرسم، ويترجم، ويكتب عن الأدب الفلسطيني والأدب الصهيوني”.

ويقدّر الكاتب أن أفضل ما حدث له هو أنه لم ينتقل من الرواية إلى الشعر ولا من الشعر إلى الرواية، مردفا: “بدأت كتابة الشعر في الإعدادي، وفي الثانوي كتبت الرواية والشعر، على بساطة منطق الشاب في ذلك العمر، لكن أجمل ما في الأمر امتلاكي صبر الجلوس لساعات طويلة لكتابة الرواية، وسارَ الشعر مع الرواية خطوة خطوة، ولم أفكر في صفة حصرية”.
وحول التجريب في الكتابة ذكر المتحدث بالرباط: “نبتسم أحيانا، وأحيانا نصرخ، وأحيانا نغضب… يوجد تنوع في أحاسيسنا البسيطة تجاه الحياة اليومية، وأعتقد أن النصوص بدورها عليها أن تتنوع داخل التجربة… وإلا بقي الكاتب في جو واحد (…) قد يؤدي هذا التكرار إلى قطع علاقة القارئ مع كاتبٍ (…) وكل شكل يعطيك معنى مختلفا داخل الرواية (…) متعتي الخاصة هي التجريب”.

وجوابا عن الإلهامات ذكر الكاتب نفسه: “أهم ما شكلني لقاءات الفنون: الرواية والمسرح والسينما والموسيقى، والتصوير، والرسم… وكل الروافد ينبغي أن تصب في عملك، فالكتابة أشبه ببحيرة، إذا لم تأتها روافد من كل مصدر تعجز عن الكبر، وعلى كل كاتب تعزيز الروافد وفتح قلبه للحياة، وأن لا يكون نصف أو ربع قلبه، ولا أن يكتب بنصف قلبه”.
The post الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله يبرز قوة الأدب في معركة الهوية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.