الرئيس الأعظم أم الإرهاص بالانهيار؟... محاولة لاستشفاف مكانة ترامب في التاريخ

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. حسن منيمنة

 

لا قوس النصر الذي يفوق غيره في كل عواصم العالم قد أنجز، ولا حتى البركة المستطيلة بين نصبي الرئيسين الكبيرين جورج واشنطن وأبراهام لنكولن، قد جرى طلاؤها، بما يتيح لدونالد ترامب أن يفاخر. هو لا يزال يمنّي نفسه بفعاليات استعراضية مرتقبة، ولكنه لا يخفي خيبته من انسحاب كبار الفنانين منها. هذا هو حال دونالد ترامب في الذكرى الـ 250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة؛ وإذا كان في الوصف تفاوت ثقيل بين جلال الذكرى ووضاعة الاهتمامات، فلأن هذا هو حال الرجل. يرسل الجيوش لخوض حروب من شأنها إنهاك اقتصاد الكوكب أو حتى إشعال الحرب العالمية الثالثة، فيما هو محتدم في تغريداته طعناً بجيمي كيمل، الفكاهي الذي لا يتورع عن السخرية الليلية منه، أو في الترويج لصورة مركّبة تجعل منه البطل الصنديد، أو بابا الڤاتيكان، إن لم ترفعه ليتقمص دور السيد المسيح.

ومذكرة التفاهم التي دفع إلى توقيعها بين بلاده وإيران قد تكون النموذج الأوضح للحكم على سلوك الرجل وأدائه، ولا سيما أن العديد من أنصاره ومريديه يعكفون على استقراء العبقرية في خطواته، وعلى تفسير ما قد يبدو تخبطاً دون وجهة على أنه دهاء خفيّ وتخطيط بعيد الأمد، صعب الإدراك إلا للمتمرسين.

دونالد ترامب، فعلياً، سلّم بكلّ ما أرادته إيران مقابل فتح مضيق هرمز، من اشتمال التوافق على إنهاء الحرب في عموم المنطقة وفق الرغبة الإيرانية، إلى الإفراج عن أموال إيران المحتجزة، ودفع التعويضات لها، ورفع العقوبات عنها وعمّن يتعامل معها، وإنهاء الحصار المفروض على موانئها، وسحب القوات التي حشدت لمحاربتها، وغيرها من العناوين، مقابل تكرار إيران لما كانت قد أعلنته مراراً بأنها لن تسعى لامتلاك السلاح النووي، وأنها مستعدة للتفاوض على ضمانات بهذا الصدد، كما أنها جاهزة لإعادة فتح مضيق هرمز بعد مرحلة تأهيلية. أين الإنجاز يا ترى للرجل المشهور بأنه مؤلف كتاب "فن الصفقة". هي صفقة رائعة بالفعل، لصالح الخصم. على أن دونالد ترامب، كما قالها صراحة، لا يعتبر نفسه ملزماً بالنص الموقع رغم أنه يصفه بأنه الأفضل أبداً. المذكرة لا تأتي على ذكر القدرات الصاروخية ودعم الفصائل، ولكنه رداً على سؤال قال إنه سيدرجها فيها لاحقاً؛ فإن لم توافق إيران على ذلك، فتباً للصفقة وعودة إلى الحرب! أي لا اعتبار لنص المذكّرة ومضمونها، بل هي مشهد وحسب من مسلسل مسرحي يرافق المجريات، ليضاف إليها أو ليسحب منها دون مراعاة لأية مرجعية. بل قالها دونالد ترامب في أكثر من مناسبة، لا مرجعية له إلا نفسه، ولا حدود لأفعاله إلا ما يرتئيه هو، فلا هو مقيد بكلمة قالها أو بموقف اتخذه، بل له أن يفعل ما يشاء، بل هو من جاهر، في حملته الانتخابية الأولى، بالأمر قائلاً: أستطيع أن أقف وسط الجادة الخامسة (أشهر جادة في مدينة نيويورك) وأطلق النار على أحدهم، ولن أخسر أياً من الناخبين.

 

ترامب في البيت الأبيض. (أ ف ب)

 

مع دونالد ترامب، الولايات المتحدة وسائر الدول تعيش في عالم أمست فيه الغرائب أموراً معتادة، والفظاظة والشتائم والمغالطة والكذب البواح من الأساليب الشائعة للتخاطب. على أنه لا يجوز إلقاء اللوم على دونالد لهذه المستجدات، بل يمكن الإشارة إلى جملة واسعة من التطورات البنيوية التي أودت بالواقع السياسي إلى هذا الحال، منها المتعلق بالعلاقة بين السياسة والمال، وغلبة المصالح الخاصة في قدرتها على التأثير على العملية الانتخابية، ومنها الانفصام الثقافي والعائد إلى تباعد القراءات حول التاريخ والمجتمع، وهو تباعد تفاقم إلى حد الانشطار مع وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها بالتأكيد الميل العام إلى الانحدار إلى أدنى المستويات المشتركة، مع الشعور بالانقطاع بين مصلحة الحاكم والمحكوم، ونجاح من يسعه الاستفادة من ذلك.

في العام 1920، كتب المعلق السياسي الساخر هنري لويس منكن منبهاً إلى أن طبيعة النظام السياسي في الولايات المتحدة سائرة نحو المزيد من التطابق بين الرئيس والناخبين، "وفي يوم عظيم ومشهود، سيبلغ عامة الناس أقصى مناهم إذ يعتلي سدة الحكم في البلاد رجل أبله بالكامل". قد يكون دونالد ترامب العبقري المتخفي، وليس الأبله بالكامل الذي توقعه منكن، بل قد يكون الرئيس الأعظم في تاريخ البلاد والذي غبنه معاصروه ولم يدركوا عظمته. على أن الأقرب إلى الصواب هو أنه بلغ منصب الرئاسة نتيجة التردي البنيوي في واقع الولايات المتحدة، ثم ضاعف التردي بأقواله وأفعاله، لتنتقل عدواه إلى مواطن الضعف في العالم أجمع. عسى أن يكون حكم التاريخ أكثر رحمة له ولهذا العالم الذي يأويه، وألا يكون الرجل هو الإرهاص بالانهيار الذي لا يسع أي مراقب يتوخى الموضوعية إلا أن يرى عوارضه على مستوى الولايات المتحدة والعالم أجمع.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية