الدعم الإفريقي الواسع لقضية الصحراء المغربية يعمق عزلة البوليساريو

في محاولة لإعادة تنشيط حضورها داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، كثفت جبهة البوليساريو خلال الأيام الأخيرة تحركاتها الدبلوماسية على مستوى القارة، وذلك في ظل تراجع مستوى التأييد الذي كانت تحظى به داخل المنظمة القارية، مقابل اتساع دائرة الدعم الإفريقي والدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء.

وفي هذا السياق، أعلنت وسائل الدعاية انفصالية أن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، استقبل، بحر هذا الأسبوع بمقر الاتحاد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، محمد سالم ولد السالك، المبعوث الخاص لزعيم جبهة البوليساريو، مضيفة أن اللقاء تناول مستجدات ملف الصحراء، حيث قدم المسؤول في الجبهة عرضا بشأن آخر تطورات النزاع ومسار الجهود السياسية المرتبطة به.

ويأتي هذا اللقاء بعد جولة قام بها ما يسمى وزير خارجية البوليساريو وشملت كلا من أنغولا وبوتسوانا وناميبيا، في إطار مساعٍ تقودها الجبهة للحفاظ على قنوات التواصل مع عدد من العواصم الإفريقية ومؤسسات الاتحاد الإفريقي، بالتزامن مع التحولات التي يشهدها الموقف القاري تجاه قضية الصحراء المغربية، في ظل تراجع الزخم الذي كانت تستند إليه الجبهة داخل إفريقيا خلال العقود الماضية.

وتتزامن هذه التحركات مع استمرار تنامي الدعم الإفريقي للوحدة الترابية للمملكة ولمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما تجسده الدينامية المتواصلة لافتتاح القنصليات العامة لعدد من الدول الإفريقية بمدينة العيون والداخلة، الشيء الذي يعكس تحولا جذريا في مواقف دول القارة تجاه النزاع، ويعزز المقاربة التي تتبناها الرباط لحل هذا الملف في إطار سيادتها الوطنية.

دبلوماسية الإنجاز

قال الشيخ بوسعيد، باحث في القانون العام مهتم بنزاع الصحراء المغربية، إن الجولة الإفريقية التي قام بها محمد سالم ولد السالك، مستشار زعيم جبهة البوليساريو، وشملت كلا من أنغولا وبوتسوانا وناميبيا، قبل لقائه رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، في أديس أبابا، تأتي في سياق محاولة الجبهة احتواء التداعيات التي خلفتها المكاسب المتتالية للدبلوماسية المغربية داخل القارة الإفريقية بقيادة الملك محمد السادس.

وأضاف بوسعيد، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذه التحولات تتجلى بوضوح في الدينامية التي قادت إلى افتتاح 31 دولة إفريقية قنصليات عامة بمدينة العيون والداخلة، وهو معطى يعكس، بحسبه، تحولا نوعيا داخل الاتحاد الإفريقي، ويؤكد الوزن السياسي والدبلوماسي الذي راكمه المغرب منذ عودته إلى المنظمة القارية سنة 2017، بعدما أصبحت دول كانت تدعم أطروحة البوليساريو تعلن صراحة مساندتها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الحل الأكثر جدية ومصداقية لتسوية هذا النزاع.

وذكر المحلل السياسي ذاته أن الهدف الأساسي من الجولة التي قام بها ولد السالك يتمثل في التشويش على الزخم الذي تحققه المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ومحاولة الحيلولة دون ترسيخها داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي باعتبارها الإطار الأنسب لإنهاء النزاع، مشيرا إلى أن الجبهة، مدعومة من الجزائر، تسعى أيضا إلى الالتفاف على الدينامية التي أفرزها قرار مجلس الأمن الأخير الصادر في أكتوبر 2025، الذي جدد التأكيد على المبادرة المغربية باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.

ونبه المتحدث إلى أن اختيار زيارة عدد من الدول الإفريقية التي ما تزال تصطف إلى جانب البوليساريو، والتي باتت تشكل أقلية داخل الاتحاد الإفريقي، إلى جانب اللقاء مع رئيس مفوضية الاتحاد، يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية موجهة إلى الفضاء الإفريقي، في ظل تراجع نفوذ الجبهة داخل المنظمة القارية.

وزاد شارحا: “تحاول البوليساريو من خلال هذه التحركات التأكيد أنها ما تزال عضوا مؤسسا داخل الاتحاد الإفريقي، وتوجيه رسالة مفادها أنها لا تزال فاعلا داخل المنظمة، مع السعي إلى قطع الطريق أمام أي نقاش مستقبلي قد يفضي إلى مراجعة وضعها القانوني أو تغيير صفتها من ‘دولة’ إلى ‘حركة تحرر’، فضلا عن إعادة تنشيط محور الدول الداعمة لها، وفي مقدمتها أنغولا وناميبيا وجنوب إفريقيا وبوتسوانا، باعتبارها الكتلة التي تراهن عليها للتصويت ضد أي مبادرة مغربية داخل قمم الاتحاد الإفريقي”.

وأضاف الباحث في خبايا النزاع أن هذه التحركات تحمل أيضا بعدا إعلاميا؛ إذ تروم كسر الانطباع المتزايد بأن الملف يتجه نحو ترجيح المقاربة المغربية، ومحاولة الإبقاء على حضور الجبهة داخل النقاش الإفريقي والدولي، رغم التراجع الواضح الذي تعرفه مواقف عدد من الدول الإفريقية.

واسترسل المصرح ذاته في القول إن المغرب يعتمد اليوم ما يمكن وصفه بـ “دبلوماسية الإنجاز”، القائمة على توسيع شبكة القنصليات، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، والانخراط في المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، وهو ما عزز حضوره داخل القارة وأكسبه دعما متزايدا من الدول الإفريقية.

وأكمل الشيخ بوسعيد حديثه لهسبريس بأن البوليساريو، في المقابل، تواصل الرهان على ما أسماه “دبلوماسية الشرعية”، عبر التمسك بأروقة الاتحاد الإفريقي وشعارات القانون الدولي وتقرير المصير، غير أن هذا الرهان يواجه تحديات متزايدة في ظل انقسام مواقف الدول الإفريقية، واتساع القناعة داخل القارة بضرورة تبني حل سياسي واقعي ومستدام، وهو ما يفسر تكرار تأكيد عدد متزايد من الدول الإفريقية على أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل أساسا واقعيا وذا مصداقية لإنهاء هذا النزاع.

حضور شكلي

يرى عبد الوهاب الكاين، عضو تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن الجولة التي قام بها القيادي في جبهة البوليساريو محمد سالم ولد السالك، وشملت كلا من أنغولا وبوتسوانا وناميبيا، قبل انتقاله إلى أديس أبابا، تمثل خطوة تفاعلية أكثر منها تحركا استباقيا، بالنظر إلى أنها تأتي في سياق تراجع متسارع لمواقف عدد من الدول الإفريقية التي كانت تصنف تقليديا ضمن الداعمين للأطروحة الانفصالية، مقابل تنامي الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا للتفاوض، وهو ما تعكسه الدينامية المتواصلة لافتتاح القنصليات العامة في مدينتي العيون والداخلة.

وأوضح الكاين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذه التحركات تبدو أقرب إلى محاولة لإدارة أزمة سياسية متفاقمة وملء فراغ دبلوماسي متنام، منها إلى مبادرة قادرة على إحداث دينامية جديدة لصالح الجبهة أو حاضنتها السياسية الجزائر، لافتا إلى أن الاستعداد المبكر لاجتماعات الاتحاد الإفريقي المرتقبة في أكتوبر المقبل يفسر جانبا من هذه الزيارات أكثر مما يعكس تحولا في موازين القوى داخل المنظمة القارية.

وأكد المهتم بنزاع الصحراء أن الفاعلين المدنيين بالأقاليم الجنوبية ينظرون بتحفظ إلى جدوى هذه الجولات، موردا أن تفاصيل لقاء ولد السالك برئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي لم يجر تداولها سوى عبر وسائل إعلام تابعة للبوليساريو، وهو ما يستوجب التعامل معها بكثير من الحذر، خاصة في غياب أي تأكيد رسمي من مفوضية الاتحاد الإفريقي أو صدور بيانات مستقلة توثق مضامين اللقاء.

ولفت رئيس منظمة “أفريكا ووتش” إلى أن مثل هذه اللقاءات قد توظف أساسا لأغراض دعائية موجهة إلى القاعدة الداخلية للبوليساريو، أكثر من كونها تعكس تحولا حقيقيا في الموقف المؤسسي للاتحاد الإفريقي، مبرزا أن المنظمة القارية لم تعد تمتلك أي دور في تدبير هذا الملف، بعدما انتقل مسار تسويته منذ سنوات إلى الأمم المتحدة باعتبارها الإطار الأممي المعني حصرا بالنزاع.

وسجل الكاين أن نمط تحركات ممثلي البوليساريو لم يشهد أي تغيير يذكر؛ إذ يقتصر، في كل مرة، على زيارات إلى عدد محدود من العواصم الإفريقية يعقبها لقاء مع مسؤولي مفوضية الاتحاد الإفريقي، وهو ما يعكس، في تقديره، محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الحضور الرمزي داخل الفضاء الإفريقي، وليس استراتيجية قادرة على وقف مسار التراجع الذي تعرفه الجبهة على مستوى الاعترافات الدولية.

وتابع قائلا: “إن غياب أي مؤشرات على تحقيق نتائج ملموسة أو استقطاب مواقف إفريقية جديدة مؤيدة للبوليساريو يعزز فرضية أن هذه التحركات تندرج ضمن مقاربة دفاعية هدفها احتواء التراجع، بدل إحداث اختراق دبلوماسي يعيد تشكيل موازين القوى داخل الاتحاد الإفريقي.”

وأورد المصرح لهسبريس أن ما يجري على الأرض يكشف وجود تناقض واضح بين الخطاب الذي تواصل الجبهة الترويج له برفض مبادرة الحكم الذاتي، وبين واقع يشهد تصاعدا مطردا في الدعم الدولي والإفريقي لهذه المبادرة باعتبارها أساسا واقعيا وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي للنزاع؛ وهو ما يضع البوليساريو في موقف دفاعي تزداد صعوبته مع اتساع دائرة الدول المؤيدة للمقترح المغربي داخل القارة.

وأجمل عبد الوهاب الكاين بالقول إن الفضاء الإفريقي، الذي شكل لعقود أحد أبرز مرتكزات الشرعية السياسية والدبلوماسية التي استندت إليها البوليساريو، يشهد اليوم تحولات عميقة تعيد رسم موازين المواقف داخل القارة بشكل يجعل المحافظة على المكاسب السابقة أكثر صعوبة بالنسبة للجبهة في ظل استمرار تنامي التأييد الإفريقي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

The post الدعم الإفريقي الواسع لقضية الصحراء المغربية يعمق عزلة البوليساريو appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress