الخاصرة الآذرية... ورقة إسرائيلية للضغط على إيران أم لتغيير قواعد اللعبة؟
أعادت التقارير الإعلامية الأخيرة التي تحدثت عن دعم عملياتي ولوجستي قدّمته أذربيجان لإسرائيل داخل العمق الإيراني، تسليط الضوء على خطورة "الخاصرة الآذرية" في الصراع الإقليمي المستمر.
وربما تتبع إسرائيل استراتيجية ممنهجة لتحويل الروابط القومية والعرقية مع آذريي إيران إلى سلاح اختراق وتفكيك داخلي، في مقابل مقايضة سياسية وعسكرية تقبض فيها باكو ثمن منح تل أبيب هذا الموطئ الاستراتيجي لضرب طهران من الشمال.
وفي سياق الحرب المفتوحة مع إيران، يغيّر هذا "الموطئ الشمالي" قواعد اللعبة العسكرية، إذ يمنح إسرائيل قاعدة انطلاق متقدمة وقريبة جداً من المنشآت الحيوية والنووية الإيرانية، ما يقلص مسافة الاستجابة الجوية، ويوفر منصات تجسّس وتشويش إلكتروني تستهدف القدرات الدفاعية لطهران.
باكو كمنصّة انطلاق وعين للموساد
على رقعة الشطرنج المشتعلة بين طهران وتل أبيب، تحرّك إسرائيل أحجارها وفق استراتيجية حذرة، لخصها رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية "أفايب" الدكتور محسن أبو النور بـ"شد الأطراف القومية والإثنية". ذلك أن إسرائيل تضع عينها على المكوّنات غير الفارسية كخاصرة رخوة للدولة الإيرانية، وهنا تبرز "ورقة الآذريين" كأوراق اللعب الأكثر إثارة، ليس فقط لثقلهم الديموغرافي القريب من 25 مليون نسمة، بل لامتدادهم الجغرافي والثقافي مع جمهورية أذربيجان.
يرى أبو النور أن تل أبيب لم تتردد في تحويل باكو إلى رأس حربة استخباري، حيث زرعت أجهزة تنصّت متطورة على الحدود الشمالية لإيران، لدرجة جعلت مجتمع الخبراء في طهران ينظر إلى أذربيجان كـ"مستنقع للموساد".
رهان على التفكيك؟
ورغم هذا، يجزم أبو النور بأن الرهان الإسرائيلي على تفكيك الداخل الإيراني مبالغ فيه، فالآذريون مندمجون في عصب الدولة الحاكم، وقادتها، وعلى رأسهم المرشد الأعلى مجتبى خامنئيوالرئيس مسعود بزشكيان، ينحدرون من هذه الأصول. ولذا، ترد طهران بمناورات عسكرية، وتفكيك لخلايا التجسس، وتعميق للتحالف مع أرمينيا، لتظل هذه الورقة مجرد حرب استنزاف استخبارية، دون أن ترقى إلى تهديد وجودي.
/WhatsApp%20Image%202026-06-06%20at%209.46.16%20AM.jpeg)
خطة المسارات الأربعة
في قراءتها للمشهد، تصف الكاتبة والمحللة السياسية في الشأن الدولي الدكتورة تمارا حداد الحدود الشمالية لإيران بأنها "الجبهة الأكثر سخونة وغموضاً" في صراع النفوذ غير المباشر.
تفكك حداد خطة الاختراق الإسرائيلي للمناطق الآذرية الحيوية (أذربيجان الشرقية والغربية وأردبيل وزنجان) إلى أربعة مسارات ذكيّة: شحن الخطاب القومي رقمياً، اتخاذ القرب الجغرافي عيناً لمراقبة التحركات العسكرية، زرع شبكات تجسس قريبة من المنشآت الحساسة، وتحويل جنوب القوقاز إلى منصة ضغط استراتيجي. ورغم ثقل هذه الاتهامات، تواصل باكو نفيها القاطع للسماح بضرب جيرانها من أراضيها.
أداة إزعاج واستنزاف
تؤكد حداد أن هذه "الشراكة الجيوسياسية" مدفوعة بالمصالح، فباكو اشترت بتعاونها تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً إسرائيلياً، وحصانة ديبلوماسية في المحافل الدولية، فضلاً عن تأمين سوق ضخمة لنفطها.
في المقابل، تدرك طهران كامل اللعبة، وتواجهها باستراتيجية متعددة الأبعاد: أمنياً بالمناورات العسكرية الصاخبة، وسياسياً بالاتكاء على الهويّة الوطنية الجامعة والرموز الآذرية الحاكمة، وإقليمياً بالتحالف مع روسيا وأرمينيا.
وتخلص حداد إلى أن "الورقة الآذرية" ليست مشروعاً واقعياً لتغيير خريطة إيران السياسية أو تفكيكها لضعف النزعات الانفصالية، بل هي "أداة إزعاج واستنزاف" ذكيّة، غايتها إبقاء طهران تحت ضغط أمني مستمر.