الحويّك: البطريرك الذي رسم حدود لبنان وبنى الإنسان
الخوري ريمون أبي تامر - روي أبو زيد
لم يكن البطريرك الياس الحويّك رجلَ كنيسةٍ مرّ في السياسة، ولا زعيماً سياسياً ارتدى الثوب الكهنوتي. كان صاحب رؤية متكاملة آمنت بأن الدفاع عن الإنسان هو جوهر الإيمان، وأن الحرية لا تصان من دون دولة، وأن الدولة لا تقوم بالحدود والمؤسسات وحدها، بل بالتربية والعائلة والعدالة والتضامن.
وحين وقف أمام القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى مطالباً بقيام لبنان الكبير، لم يكن يحمل مشروعاً جغرافياً منفصلاً عن مشروعه الروحي والاجتماعي. فالوطن الذي أراده لم يكن مجرد مساحة تُرسم على الخريطة، بل بيئة تحمي كرامة الإنسان، وتضمن حريته، وتتيح له أن يعيش ويتعلّم ويعمل من دون خوف أو جوع أو ظلم.
من هنا، يصعب اختصار الحويّك بلقب "أبي لبنان الكبير"، على أهميته. فإلى جانب البطريرك الذي خاض معركة الكيان والاستقلال، يبرز رجل العناية الإلهية الذي جعل من خدمة الفقراء طريقاً إلى الله، ومن العائلة نواة المجتمع، ومن المرأة والأم شريكتين أساسيتين في صناعة الإنسان وحماية هوية الوطن.
View this post on Instagram
من مدرسة المتصرفية إلى قلب القرار الكنسي
تكوّنت شخصية الياس الحويّك في زمن كانت فيه منطقة جبل لبنان تعيش تحت نظام المتصرفية، وسط توازنات دقيقة بين السلطات المحلية والسلطنة العثمانية والقوى الأوروبية. وفي ذلك المناخ، تعلّم باكراً أن حماية الجماعة لا تتحقق بالشعارات، بل بفهم موازين القوى، ونسج العلاقات، والبحث عن هوامش المبادرة داخل واقع شديد التعقيد.
ومع انتقاله إلى العمل كاتماً لسر البطريرك بولس مسعد، دخل الحويّك مدرسة البطريركية المارونية من بابها السياسي والكنسي معاً. تعرّف إلى آليات القرار، وعاين علاقة الكنيسة بالسلطات، وأدرك أنّ الدور البطريركي لا يقتصر على رعاية المؤمنين روحياً، بل يشمل الدفاع عن حقوقهم وحريتهم ووجودهم.
لكن تكوينه السياسي لم يكن منفصلاً عن إيمانه. فالجرأة التي ظهرت لاحقاً في مواقفه لم تنبع من رغبة في السلطة أو من نزعة إلى المغامرة، بل من قناعة راسخة بأن الإنسان، المخلوق على صورة الله، لا يجوز أن يُترك فريسة للجوع والخوف والاستبداد.
لهذا، لم يرَ في دخول رجل الكنيسة إلى الشأن العام خروجاً عن رسالته، بل امتداداً لها. فالكنيسة، في نظره، ليست شاهدة صامتة على التاريخ، وإنما مدعوة إلى التدخل عندما تتحول السلطة من أداة لحماية الحياة إلى مصدر للموت.
المجاعة الكبرى... حين أصبح الدفاع عن الحياة رسالة
اختُبرت هذه القناعة بقسوة خلال الحرب العالمية الأولى، عندما اجتاحت المجاعة الكبرى جبل لبنان بين عامي 1915 و1918، فحصدت أعداداً هائلة من السكان، ودفعت كثيرين إلى الهجرة بحثاً عن الطعام والأمان.
في مواجهة الكارثة، لم يكتفِ الحويّك بالصلاة على نية الضحايا، ولم يحصر دوره في التعزية الروحية. راجع السلطات العثمانية مطالباً بتخفيف القيود والسماح بوصول المؤن، وسعى عبر المراسلات الكنسية والديبلوماسية إلى نقل مأساة اللبنانيين إلى الخارج واستنهاض الضمير الإنساني.
كان يرى الناس يموتون جوعاً، فيما تتهاوى البنى الاقتصادية والاجتماعية التي قامت عليها حياة الجبل. عندها، لم تعد الحرية بالنسبة إليه مفهوماً سياسياً مجرداً، بل أصبحت حق الإنسان في أن يبقى حياً. لذلك، لم يكن تحرّكه دفاعاُ عن امتياز طائفي أو عن نفوذ كنسي، بل عن حق الناس في الغذاء والكرامة والأمان. وقد ترسخت لديه، في تلك المرحلة، قناعة بأن القداسة لا تعني الابتعاد عن الشأن العام، وأن الإيمان الحقيقي يفرض مساءلة السلطة عندما تعجز عن حماية شعبها أو تتسبب في موته.
حرية الإنسان من حرية الوطن
بعد انتهاء الحرب، لم يكتفِ الحويّك بالمطالبة بإغاثة المنكوبين، بل انتقل إلى البحث في الأسباب التي جعلت المجتمع اللبناني هشاً إلى هذا الحد أمام الأزمات. أدرك أن حماية الناس لا يمكن أن تستند إلى مبادرات إنسانية ظرفية، وأن الحرية لا تستقر من دون كيان سياسي قادر على حماية أبنائه وتأمين مقومات حياتهم. ومن هنا، انتقل من الدفاع عن حق الإنسان في الحياة إلى الدفاع عن حقه في وطن حر وقابل للحياة.
عام 1919، سافر الحويّك إلى مؤتمر الصلح في باريس على رأس الوفد اللبناني، حاملاً مذكرة تطالب بقيام دولة لبنان الكبير ضمن حدود توفر لها المقومات الجغرافية والاقتصادية اللازمة للاستمرار.
لم يكن توسيع الحدود بالنسبة إليه رغبة في التمدد، بل محاولة لمعالجة أوجه الضعف التي ظهرت خلال المجاعة. فقد رأى أن كياناً محاصراً في الجبل، يفتقر إلى السهول الزراعية والمرافئ والموارد، سيبقى عرضة للأزمات والتبعية.
لذلك، طالب بإلحاق المدن الساحلية والسهول والمناطق التي تشكل الامتداد الطبيعي والاقتصادي للبنان. كان يعرف أن الاستقلال السياسي يبقى هشاً إذا لم يستند إلى اقتصاد قابل للحياة، وإلى دولة تملك القدرة على إطعام شعبها وحمايته.
ومع إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920، لم يعتبر الحويّك أن المهمة انتهت. فالحدود، في نظره، لا تكفي لصناعة وطن. واصل اهتمامه بالشأن الدستوري والمؤسساتي، وأسهم في تعزيز المناخ السياسي والفكري الذي سبق صدور الدستور اللبناني عام 1926.
لا دولة دينية ولا وطن لفئة واحدة
لبنان، كما تصوّره، لم يكن امتيازاً لطائفة أو انتصاراً لجماعة على أخرى، بل مساحة حرية تحفظ التعدديّة، وتصون الحريات، وتؤمّن الشراكة بين مكوناته.
في هذا المعنى، لم تكن مطالبته بلبنان الكبير منفصلة عن مفهومه للإنسان. فالكيان الذي ناضل من أجله كان وسيلة لحماية الحرية، لا غاية قائمة بذاتها. ولم تكن الصيغة السياسية مقدسة في نظره، بل كانت اجتهاداً بشرياً تُقاس قيمته بقدرته على حماية الناس وتحقيق الخير العام.
وهنا تكمن إحدى أكثر أفكاره راهنية: "لا يوجد نظام يكتسب شرعيته من تاريخه وحده، ولا صيغة سياسية تكون نهائية أو منزلة. فالأنظمة والدساتير والمؤسسات تبقى وسائل لخدمة الإنسان، وتفقد معناها عندما تتحول إلى أدوات لتعطيل الدولة أو انتهاك الكرامة".
المرأة والأم... بداية بناء الوطن
في صلب هذا المشروع، احتلت المرأة مكانة متقدمة في فكر الحويّك. ففي أواخر القرن التاسع عشر، باتت فرص النساء في التعليم والعمل والمشاركة العامة محدودة، وكانت الفتاة في عدد كبير من القرى تُحرم من التعليم أو تحصل على قدر يسير منه. لكن الحويّك أدرك مبكراً أن المجتمع الذي يهمل تعليم المرأة يحرم نفسه من نصف طاقته، ويضعف الأسرة التي تتشكل فيها شخصية الطفل الأولى.
لم ينظر إلى تعليم الفتيات بوصفه ترفاً ثقافياً أو استجابة سطحية لموجات الحداثة، بل اعتبره شرطاً لبناء أجيال متعلمة وقادرة على حماية إيمانها وكرامتها وهويتها. كما كانت نظرته إلى المرأة متصلة خصوصاً بنظرته إلى الأم. فالأم، في فكره، ليست مجرد حارسة للمنزل أو مؤدية لوظيفة عائلية تقليدية، بل المربية الأولى، وصانعة الوجدان، وناقلة اللغة والإيمان والقيم. إذ اعتبر البطريرك أنّ ما يتلقاه الطفل من أمه في سنواته الأولى يرافقه لاحقاً إلى المدرسة والجامعة والمجتمع والدولة. ومن هنا، كان إصلاح المجتمع يبدأ، في نظره، من الأسرة، وإصلاح الأسرة يبدأ بإعداد المرأة وتعليمها وتمكينها من تحمل مسؤوليتها.
رهبنة العائلة المقدسة... الفكرة التي أصبحت مؤسسة
لم تبقَ هذه الرؤية حبيسة العظات والرسائل، بل تحولت إلى مشروع مؤسساتي واضح. ففي عام 1895، أسس الحويّك رهبنة راهبات العائلة المقدسة المارونيات، بمشاركة الأم روزالي نصر والأخت اسفانيه كردوش.
كان تأسيس رهبنة نسائية تُعنى بتعليم الفتيات وتربيتهن وخدمة العائلات خطوة متقدمة في زمنها. فقد أراد الحويّك جماعة رهبانية لا تنعزل عن المجتمع، بل تتوجه إليه، إلى قراه ومدارسه وأطفاله ومرضاه وفقرائه. حملت الرهبنة منذ تأسيسها رسالة تربوية واجتماعية، تقوم على إعداد المرأة لتكون واعية وفاعلة، وعلى دعم الأسرة باعتبارها الخلية الأولى في الكنيسة والمجتمع.
ولم يكن اختيار اسم "العائلة المقدسة المارونية" تفصيلاً عابراً. فالنموذج الذي أراده الحويّك للعائلات كان يستند إلى حياة بسيطة يتكامل فيها الحضور الأبوي والأمومي، ويتحول فيها العمل اليومي والتضحية والصمت والرعاية إلى خبرة روحية. أما الراهبة في رؤيته، فلم تكن امرأة محجوبة عن العالم، بل حاضرة في قلبه، تدخل المدارس والمستشفيات والقرى، وتقوم بدور تربوي وإداري واجتماعي واسع.
التقت في رؤيته صورتان للمرأة: الأم التي تبني الإنسان داخل العائلة، والراهبة التي توسع معنى الأمومة لتشمل التربية والعناية وخدمة المجتمع.
روحانية العناية الإلهية... ثقة لا تلغي المسؤولية
عُرف الحويّك بـ"رجل العناية الإلهية"، وهي تسمية تختصر جانباً أساسياً من روحانيته. غير أن ثقته بالله لم تكن استسلاماً للظروف أو انتظاراً سلبياً للحلول، بل مصدر قوة يدفعه إلى المبادرة والعمل.
عاش الحروب والمجاعة وانهيار السلطنة العثمانية والتحوّلات السياسية التي أعادت رسم المنطقة. وشاهد شعبه يموت ويهاجر، لكنه لم ينكفئ إلى الصلاة بمعناها المنعزل.
كانت العناية الإلهية بالنسبة إليه لقاءً بين الثقة والمسؤولية. آمن بأنّ الله يرعى الإنسان، لكنّه أدرك كذلك أنّ هذه الرعاية تمر أيضاً عبر أيدي البشر.
لذلك، لم يرَ تناقضاً بين أن يكون رجل صلاة، وأن يتابع شؤون المؤن والمدارس والفقراء والعائلات، أو أن يسافر إلى المؤتمرات الدولية ويفاوض القوى الكبرى دفاعاً عن وطنه.
لم تتأسس قداسته على بطولات خارقة، بل على الثبات في الخدمة. كان إيمانه عملياً: "الله يُرى في الجائع الذي يجب إطعامه، وفي الفتاة التي ينبغي تعليمها، وفي العائلة التي تحتاج إلى الحماية، وفي الشعب الذي يحق له أن يعيش حراً".
الجرأة في المبادرة
ربما تكمن فرادة الحويّك في أنه لم يتعامل مع الواقع باعتباره قدراً نهائياً، بل مسؤولية قابلة للتغيير. عندما أثبتت الصيغ القائمة عجزها عن حماية الإنسان، لم يتردد في اقتراح صيغة جديدة. ولم يكن ذلك تمرداً على التاريخ، بل وفاءً له، لأن المحافظة الحقيقية على الأوطان لا تعني تجميدها، وإنما تطويرها بما يخدم أبناءها.
ومن هنا، فإن الدرس الذي يقدمه الحويّك للبنان اليوم لا يكمن في استنساخ خياراته السياسية أو إعادة إنتاج ظروف بداية القرن العشرين، بل في الاقتداء بمنهجه: قراءة التحولات، والتمييز بين الثوابت والوسائل، وامتلاك شجاعة المبادرة عندما يصبح الجمود تهديداً للإنسان.
لقد علّم أن الجرأة ليست مغامرة، وأن المبادرة ليست خروجاً عن الثوابت، بل قد تكون الطريق الوحيد إلى إنقاذها. وعندما تصبح الصيغة عاجزة عن حماية الدولة والحرية والكرامة، فإن الوفاء للوطن لا يكون بالدفاع الأعمى عنها، بل بإعادة التفكير فيها.
تطويب يستعيد مشروعاً
يأتي تطويب البطريرك الياس الحويّك ليعيد إلى الواجهة شخصية وطنية وروحية لا يمكن فصل أحد وجهيها عن الآخر. فالتاريخ كرّسه منذ زمن أحد أبرز مؤسسي لبنان الحديث، فيما تكرّس الكنيسة اليوم فضائله وإيمانه وخدمته.
ولعل في الأعجوبة المعترف بها لتطويبه، والمتعلقة بشفاء الضابط الدرزي في الجيش اللبناني نايف أبو عاصي، دلالة تتجاوز بعدها الديني، وتنسجم مع صورة الحويّك بطريركاً آمن بلبنان وطناً للتعدد واللقاء.
بدأ الحويّك مشروعه من الإنسان، وعبر منه إلى العائلة، فالمجتمع، وصولاً إلى الدولة. وقبل أن يكون لبنان الكبير مساحة على الخريطة، كان في رؤيته كرامة تُصان، وحرية تُحمى، ورسالة تبدأ من البيت وتكبر لتصبح وطناً.
أما السؤال الذي يتركه الطوباوي للبنان اليوم، فليس كيف نحافظ على الماضي، بل هل نملك، في مواجهة انهيار الحاضر، الرؤية التي امتلكها هو لصناعة المستقبل؟