أمن الخليج العربي... من مذكرة التفاهم مع إيران إلى منظومة الردع العربي– الخليجي الإقليمي
*نزيه الخياط
1) الخليج العربي: حدثٌ مركزي في إعادة تشكل النظام الإقليميّ
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري حيوي أو ملفاً قانونياً مرتبطاً بالنزاع على الجزر الإماراتية المحتلة، بل أصبح إحدى العقد الجيوسياسية الرئيسية التي يُعاد من خلالها رسم التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فالتطورات العسكرية التي شهدها الخليج خلال عام 2026، وما رافقها من استهداف إيراني مباشر لدول خليجية، دفعت المنطقة إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة البحث عن منظومة ردع إقليمية أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
وقد عكس دخول مصر على خط الدعم العسكري، ووصول وحدات عسكرية باكستانية إلى بعض دول الخليج، بداية تشكل بيئة أمنية جديدة تقوم على الشراكة الدفاعية وتوزيع الأدوار بين الدول المتضررة من عدم الاستقرار الإقليمي. كما يندرج الحضور التركي في هذا المشهد ضمن شبكة أوسع من المصالح الأمنية المتقاطعة، في ضوء وجودها العسكري في قطر ودورها المتنامي في ملفات المشرق العربي.
في هذا السياق، عادت قضية الجزر الإماراتية المحتلة إلى الواجهة بوصفها جزءاً من معادلة الأمن البحري وتوازن القوى في الخليج، لا مجرد نزاع حدودي مؤجل.
2) الجزر ومضيق هرمز: الجغرافيا التي تصنع السياسة
تعود جذور النزاع على جزر أبو موسى والطنب الكبرى والصغرى إلى مرحلة ما قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، عندما كانت هذه الجزر جزءاً من المجال الإداري والسيادي لإمارات الساحل المتصالح، ومرتبطة تاريخياً بوجود سكاني عربي خليجي ممتد منذ قرون.
ومع الانسحاب البريطاني من الخليج عام 1971، فرضت إيران سيطرتها العسكرية على الجزر مستفيدة من المرحلة الانتقالية التي سبقت اكتمال الاتحاد الإماراتي. ومنذ ذلك الوقت بقي النزاع قائماً بين منطق فرض الوقائع بالقوة ومنطق الحقوق التاريخية والقانونية.
غير أن أهمية الجزر تجاوزت اليوم بعدها السيادي المباشر، نظراً إلى تموضعها عند مدخل مضيق هرمز الذي يشكل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فموقعها يمنحها قيمة استراتيجية تتصل بأمن الطاقة وحرية الملاحة وقدرات المراقبة والإنذار المبكر، ما يجعلها جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي معاً.
3) مذكرة التفاهم لعام 1971 مع إيران والشرعية الإماراتية للجزر
تتمتع جزيرة أبو موسى بخصوصية قانونية وسياسية ترتبط بمذكرة التفاهم الموقعة عام 1971 بين إمارة الشارقة وإيران. ورغم أن هذه المذكرة لم تحسم مسألة السيادة النهائية، فإنها تضمنت اعترافاً عملياً بوجود حقوق ومصالح إماراتية قائمة في الجزيرة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأنها تُظهر أن النزاع لم ينشأ في فراغ قانوني أو تاريخي، بل في سياق ترتيبات انتقالية سبقت قيام دولة الإمارات. كما أنها تؤكد أن قضية الجزر ليست مجرد خلاف حدودي، بل ملف يرتبط بشرعية إدارة المجال البحري المحيط بمضيق هرمز.
ومن هذا المنطلق، تبدو الجزر مرشحة لأن تكون جزءاً من أي نقاش دولي أو إقليمي يتناول مستقبل الأمن البحري في الخليج أو العلاقات الأميركية–الإيرانية، باعتبار أن استبعادها من أي تسوية محتملة سيبقي أحد أبرز مصادر التوتر مفتوحاً.
4) التحول الأمني الخليجي وإعادة تكوين الردع متعدد الطبقات
أظهرت التطورات الأخيرة أن البيئة الأمنية الخليجية دخلت مرحلة جديدة تختلف عن الأنماط التقليدية التي سادت خلال العقود الماضية. فالتهديدات لم تعد تقتصر على المواجهات المباشرة، بل باتت تشمل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والقدرات غير المتماثلة.
وقد دفعت هذه التحولات دول الخليج إلى إعادة النظر في مفهوم الردع، والانتقال من الاعتماد على الضمانات الخارجية وحدها إلى بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالاً وتكاملاً. كما ساهمت مشاركة مصر وباكستان وتركيا في تعزيز الاتجاه نحو بناء شبكة أمنية إقليمية قادرة على تقاسم الأعباء وتنسيق الاستجابة للتهديدات المشتركة.
وبذلك، أصبح الردع الإقليمي يرتبط بقدرة الدول على بناء منظومات دفاع جماعية أكثر من ارتباطه بالتوازنات العسكرية التقليدية وحدها.
5) الردع التكنولوجي الخليجي والعمق الجيوعسكري السعودي
يتجه الخليج تدريجياً نحو بناء منظومة ردع تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا المتقدمة. فالمسيّرات الهجومية والدفاعية، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الاصطناعية، وأنظمة الإنذار المبكر، أصبحت عناصر أساسية في معادلات القوة الحديثة.
كما أن التعاون المتنامي في مجالات التصنيع العسكري والتقنيات الدفاعية يعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن المنطقة لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الجيوش، بل أيضاً بقدرتها على توظيف المعرفة والتكنولوجيا في إدارة الصراعات.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ضوء الامتداد الجغرافي الواسع لشبه الجزيرة العربية، وما توفره الجغرافيا السعودية، ولا سيما سلسلة جبال الحجاز، من عمق دفاعي طبيعي ردعي يساعد على بناء منظومات دفاع متعددة الطبقات.
كذلك فإن الترابط الجغرافي والاستراتيجي بين الخليج والبحر الأحمر، من خلال الشراكة المتنامية بين السعودية ومصر، يساهم في توسيع المجال الجيوعسكري للتكتل الناشئ، ويمنحه قدرة أكبر على حماية الممرات البحرية الحيوية الممتدة من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر.
6) المشرق العربي وامتداد التوازنات
لا يمكن فهم التحولات الجارية في الخليج بمعزل عن المشرق العربي. فالعراق وسوريا ولبنان أصبحت ساحات تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمي وتنعكس من خلالها نتائج الصراعات الدائرة في المنطقة.
ويبرز لبنان بصورة خاصة بوصفه نموذجاً للتحدي الذي تواجهه الدولة الوطنية في ظل تداخل الولاءات الداخلية والارتباطات الإقليمية. فالحفاظ على استقلال القرار الوطني اللبناني يشكل جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل التوازنات في المشرق العربي.
كما أن التطورات في سوريا والعراق تؤكد أن أمن الخليج وأمن المشرق باتا مترابطين بصورة متزايدة، وأن أي إعادة تشكيل للنظام الإقليمي ستنعكس بصورة مباشرة على الساحتين معاً.
7) الدور الوظيفي للإمارات في أمن الملاحة
في ظل التحولات الراهنة، تتجاوز أهمية الإمارات في ملف الجزر البعد القانوني والسيادي لتشمل دوراً وظيفياً متصاعداً في أمن الملاحة الدولية. فالإمارات أصبحت إحدى أهم العقد اللوجستية والتجارية في المنطقة، كما أن موقعها الجغرافي يمنحها دوراً محورياً في حماية التدفقات الاقتصادية المرتبطة بالطاقة والتجارة العالمية.
ومن هنا، فإن الشرعية الإماراتية لا تستند فقط إلى الحقوق التاريخية والقانونية، بل أيضاً إلى الدور العملي الذي تؤديه في استقرار المجال البحري الخليجي. لذلك يصعب تصور أي ترتيبات أمنية مستدامة في الخليج من دون مشاركة فاعلة للدول العربية المشاطئة له وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.
8) نحو نظام إقليمي جديد انطلاقاً من الخليج العربي
تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن الشرق الأوسط يتجه نحو إعادة تشكيل تدريجية لبنيته الأمنية، تقوم على الربط بين أمن الطاقة والممرات البحرية والتكتلات الدفاعية والتطور التكنولوجي.
وفي هذا الإطار، لم تعد الجزر الإماراتية المحتلة قضية محلية أو ثنائية فحسب، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي وأمن التجارة العالمية. كما أن بروز شبكات تعاون جديدة بين دول الخليج ومصر وباكستان، مع تقاطعات استراتيجية متزايدة مع تركيا، يعكس بداية تشكل بيئة إقليمية مختلفة عما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية.
الاستنتاج: من ساحة للتأثر إلى مركز لإنتاج التوازنات
تكشف التحولات الجارية في الخليج والمشرق العربي أن المنطقة تتجه نحو نموذج أمني جديد يقوم على تكامل الجغرافيا مع التكنولوجيا، وعلى الجمع بين الردع العسكري والتنموي والأمن البحري والتعاون الإقليمي.
وفي هذا السياق، تتحول الجزر الإماراتية المحتلة ومضيق هرمز من مجرد ملفات نزاع تقليدية إلى عناصر بنيوية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي. كما أن تشكل منظومة ردع تنموي عربي–خليجي إقليمي آخذة في التبلور يعكس انتقال المنطقة من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء التوازنات.
وبذلك، تتجه المنطقة نحو هندسة أمنية جديدة لا تزال في طور التشكل، لكنها مرشحة لأن تحدد ملامح الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، في ظل سباق متسارع نحو امتلاك أدوات القوة التكنولوجية والعسكرية. وفي حال استمرت هذه الاتجاهات، فقد يتحول الخليج العربي من ساحة تتلقى تداعيات الصراعات الإقليمية إلى مركز فاعل في إعادة إنتاج التوازنات وصياغة جزء مهم من مستقبل النظام الإقليمي.
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية