الحرب على إيران... "نعمة" على أميركا؟
كان إريك سلوفر يقود مروحية هجومية تحت جنح الظلام. حملت مروحيته المتقدمة عناصر من قوات "دلتا" الخاصة التابعة للجيش الأميركي. فجأة تعرضوا لإطلاق نار كثيف. أصيب سلوفر بثلاث رصاصات في ساقه. وبدأت معاناته لإبقاء المروحية في الجو. أخيراً، نجح في إيصال فريقه إلى المهمة النهائية.
لم يكن سلوفر، كبير ضباط الصف الخامس، يحلّق في الأجواء الإيرانية. كان يتولى قيادة الهجوم لاعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو. لا تزال "عملية الحزم المطلق" تسحر المراقبين بسبب النصر السريع الذي تحقق خلالها. لكنه كان نصراً مدفوعاً بحظ كبير. سنتيمترات قليلة كانت كافية لقلب الهجوم إلى مأساة محتملة. في 24 شباط/فبراير، مُنح سلوفر ميدالية الشرف. كان ذلك قبل أربعة أيام من شنّ الحرب على إيران... الحرب نفسها التي ساهمت في تسريعها "عملية الحزم المطلق".
إيران كمرحلة وسطى
مثّلت إيران تذكيراً بأن الحروب الخاطفة هي الاستثناء لا القاعدة. إيران هي جرس إنذار مبكر لما يمكن أن تواجهه الولايات المتحدة في حرب حول مضيق تايوان. لو انتقلت أميركا عسكرياً من فنزويلا إلى شرق آسيا، بشكل مباشر، لصُدمت سياسياً وإعلامياً من حجم المعاناة التي سيواجهها الجيش الأميركي هناك. قد لا يكون الناخب الأميركي مستعداً نفسياً لدعم الحرب في شرق آسيا إذا كان تصوره المعاصر عن الحروب قد تشكل إلى حد بعيد من العملية ضد مادورو. إيران هي مقدّمة ضرورية لإعادة رسم توقعاته الواقعية بشأن الحرب المقبلة.

في تقرير صدر الأسبوع الماضي، نبّه مركز "هريتدج" الأميركي إلى أن أي حرب ضد الصين ستستنفد الصواريخ الاعتراضية "في غضون أيام". وفي 2023، توقّع "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" أن تفتقر أميركا إلى أسلحة دفاعية وهجومية أساسية في "غضون الأسبوع الأول". لا تحتاج واشنطن إلى إعادة ملء مخزوناتها لتبلغ مستوى ما قبل حرب إيران وحسب، بل لتبلغ ما أراده المخططون بشكل مثالي لحرب آسيوية أيضاً. هذا ولم تصل أميركا إلى المشكلة العميقة.
إيران والتذكير المرير
سارعت الإدارة الأميركية إلى مطالبة الكونغرس بالمزيد من الأموال. لكن الأموال لا تحلّ أهمّ عقبة. فبحسب الخبير في شؤون صناعة السفن الحربية كريستوفر كارول، يتحرك المال بسرعة أكبر من تحرك القدرة الصناعية. وحذّر كارول في مجلة "ناشيونال إنترست" من أن أميركا قد تكون على طريق تكرار خطأ بريطانيا القاتل بعد الحرب العالمية الأولى. حينها، خفضت الإنفاق العسكري للحفاظ على التوازن الاقتصادي، قبل أن تكتشف أن إنفاقها الدفاعي عشية الحرب العالمية الثانية لم يستطع إعادة شراء القدرة الصناعية التي أكسبتها الحرب الأولى.
ما قد يؤجّل الحرب في مضيق تايوان، بشكل محتمل ومتكهَّن، الإقالات الكثيرة في الجيش الصيني وخوف بكين من إمكانية استخدام تايوان المسيّرات. قد تعرقل الأخيرة أيضاً مشكلة العمليات البرمائية المعقّدة أصلاً. إذا صحّت هذه الأسباب فسيكون تأجيل الحرب خارجاً عن إرادة واشنطن. بعبارة أخرى، ما يريح الأميركيين من العبء العسكري الأصعب، لغاية اللحظة، هو الحظ نفسه الذي خدمهم جزئياً في فنزويلا. لكن الأخير لا يمكن أن يخدم صاحبه لفترة طويلة، خصوصاً إذا لم يكن قد ساعد نفسه في المقام الأول. وهنا تظهر سخرية القدر. لطالما أنّبت واشنطن حليفتها أوروبا لعدم زيادة إنفاقها الدفاعي. تبيّن أن وضعها ليس أفضل بكثير، قياساً بأهدافها. درسُ بريطانيا تمّ نسيانه. كان على إيران تذكير الأميركيين به.