التنشئة السياسية في زمن الشاشات
يُعدّ موضوع التنشئة السياسية من المواضيع ذات الأهمية البالغة، لما له من دور محوري في تشكيل وعي الأفراد داخل مختلف المجتمعات والثقافات. فقد ساهم هذا المفهوم عبر الزمن في تنمية الفكر السياسي لدى الناشئة؛ إذ كان الأب، في كثير من الأحيان، يجتمع بأفراد أسرته حول مائدة العشاء، يناقش معهم القضايا السياسية الراهنة، ويعرض تفاصيل المشكل السياسي، وأطرافه، وانعكاساته على المجتمع، إضافة إلى سبل التعامل مع الأوضاع السياسية المختلفة.
كما لعبت المدرسة دوراً مهماً في نشر الوعي السياسي بين صفوف التلاميذ، من خلال تقديم دروس تُبرز التاريخ السياسي للدول، وتربط ذلك بالسياق المغربي، وبالمراحل التي مرّ بها المغرب في مساره السياسي. وقد ساهم هذا التكوين، إلى جانب احتكاك الأجيال السابقة بالكتب، ونشأتها داخل أسر تمتلك قدراً من الوعي السياسي—سواء كانت من الطبقة المتعلمة أو الكادحة—في بناء شخصيات واعية بقضايا مجتمعها، خاصة مع متابعة البرامج السياسية والإخبارية.
أما اليوم، فقد غيّرت الطفرة التكنولوجية بشكل كبير من أنماط التنشئة، حيث أصبح الفرد يعيش في عالم رقمي مفتوح، يتيح كماً هائلاً من المعلومات، لكنه في المقابل لا يخضع دائماً لرقابة تضمن مصداقيتها. كما أدى انشغال كل فرد داخل الأسرة بأجهزته الخاصة إلى تراجع مساحات الحوار الأسري، وهو ما انعكس على مستوى التفاعل والنقاش داخل البيت الواحد.
ومن جهة أخرى، تستقطب الألعاب الإلكترونية ومختلف الوسائط الرقمية اهتمام فئة واسعة من الأطفال والمراهقين، حيث يقضون وقتاً طويلاً في عوالم افتراضية تحاكي الواقع، وقد تدفع أحياناً إلى نوع من العزلة أو الانفصال الجزئي عن المحيط الحقيقي. غير أن هذا لا يعني بالضرورة غياب القيم، بقدر ما يطرح تحدياً حقيقياً في كيفية توجيه هذا الاستخدام بشكل سليم ومتوازن.
في هذا السياق، يُطرح تساؤل جوهري: كيف يمكن إعداد جيل يمتلك وعياً سياسياً في ظل هذه التحولات؟ وكيف يمكن للمؤسسة التعليمية أن تواكب اهتمامات المتعلمين، في وقت ما تزال فيه بعض الأساليب التعليمية تقليدية ولا تنسجم مع ميولات الجيل الجديد؟
من وجهة نظري، يقتضي الأمر إعادة النظر في أدوار مختلف الفاعلين، بدءاً من الأسرة التي ينبغي أن تستعيد دورها في التوجيه والمواكبة، ليس عبر المنع أو الرقابة الصارمة فقط، بل من خلال الحوار وبناء الثقة. كما يتعين على المدرسة أن تنفتح أكثر على الوسائل الرقمية الحديثة، وتوظفها في العملية التعليمية بشكل يساهم في تنمية التفكير النقدي وروح النقاش لدى التلاميذ.
ويبقى الرهان الأساسي هو تقليص الفجوة بين جيل ألفا والأجيال السابقة، من خلال فهم خصوصيات هذا الجيل بدل الاكتفاء بانتقاده، والعمل على تأطيره ضمن تنشئة سياسية سليمة، تساعده على إدراك حقوقه وواجباته داخل المجتمع.
وكما أشار عالم الاجتماع والفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر إلى أن “المجتمع كائن حي ينمو ويتطور”، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما طبيعة هذا التطور الذي يشهده مجتمعنا؟ وهل سيكون تطوراً بنّاءً يعزز الوعي والمسؤولية، أم مساراً يطرح تحديات جديدة تستوجب فهماً أعمق وتدخلاً أكثر وعياً؟
-طالبة بمسلك العلوم القانونية
The post التنشئة السياسية في زمن الشاشات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.