التصعيد الإيراني في الأردن... هل يقطع "شعرة معاوية"؟
يواجه الأردن، إلى جانب دول أخرى في المنطقة، تصعيداً إيرانياً يوصف بأنه الأكثر خطورة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر شباط/فبراير الماضي، ما يضع العلاقات المتوترة أصلاً بين عمّان وطهران على حافة الهاوية.
ومنذ بداية الحرب، تشن إيران هجمات على الأردن تقول إنها تستهدف مواقع أميركية، وتتهم المملكة بتقديم تسهيلات عسكرية أو لوجستية للولايات المتحدة. وقد اشتدت وتيرة هذه الهجمات خلال الأيام القليلة الماضية، وأسفرت عن مقتل وإصابة جنود أميركيين في منطقة الأزرق. كما أعلنت السفارة الأميركية في عمّان، الأحد، إخلاء مطار وميناء العقبة الدوليين جنوب المملكة بسبب "تهديد محدد وموثوق"، قبل أن تنفي الحكومة الأردنية صحة ذلك.
وفيما رجحت مصادر أردنية لـ"النهار" أن تتخذ المملكة إجراءات ديبلوماسية تجاه إيران "قد تصل إلى حد القطيعة"، استبعدت مصادر أخرى حدوث ذلك، فيما لم تجب وزارة الخارجية الأردنية على استفسارات الصحيفة بهذا الخصوص.
وفي ظل هذا التصعيد، تبدو "شعرة معاوية" التي حافظت على الحد الأدنى من التواصل بين عمّان وطهران مهددة أكثر من أي وقت مضى.

إرث طويل من التوتر
ومنذ سنوات، تفرض تحفظات وهواجس واعتبارات عدة إيقاعها على العلاقات الأردنية - الإيرانية، بدءاً من الموقف الشعبي السلبي تجاه السياسة الإيرانية في عدد من الدول العربية، ولا سيما لبنان والعراق واليمن وسوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد، مروراً بالمخاوف الأمنية، وفي مقدمها محاولات زج الأردن في صراعات المنطقة، وتهريب المخدرات والأسلحة من سوريا، وصولاً إلى الاعتبارات المرتبطة بتحالفات المملكة الإقليمية والدولية، ولا سيما مع دول الخليج والولايات المتحدة.
ولا يتبادل البلدان السفراء في الوقت الحالي، إذ تضم السفارة الإيرانية في عمّان قائماً بالأعمال وعدداً من الديبلوماسيين، فيما أعلن الأردن في آذار/مارس الماضي رفض تمديد إقامة أحد الديبلوماسيين الإيرانيين، ورفض منح اعتماد لآخر، وأجلى ديبلوماسييه من سفارته في طهران. كما قدم شكوى إلى الأمم المتحدة ضد إيران بشأن الهجمات التي تعرض لها، مؤكداً حقه في الرد عليها وفق القانون الدولي، والمطالبة بتعويضات عن أي أضرار نتجت أو قد تنجم عنها.
دعوات إلى ضغط عربي
ويرى الوزير والبرلماني الأردني الأسبق بسام العموش، الذي شغل منصب سفير بلاده لدى طهران بين عامي 2001 و2002، أن "الأردن لا يجني أي فائدة من العلاقة مع إيران، خصوصاً أن حربها مع أميركا أظهرت أنها عاجزة عن إيذاء الولايات المتحدة، فصارت توجه نيرانها إلى الدول العربية، مع أن هذه الدول لا تقصف إيران، ولم تعلن مشاركتها في الحرب، بل تدعو إلى الحوار ووقفها. كما أن أميركا تقصف إيران من البحر، فهل يعقل أن تنتقم إيران من العرب؟".
ويضيف العموش لـ"النهار" أنه "ليس من دعاة القطيعة الديبلوماسية، لكن استمرار قصف الأردن ودول الخليج يفتح الباب أمام إجراءات ما، كأن يكون التهديد بقطع العلاقات الجماعية مع إيران، بما يشكل ضغطاً عليها، فالحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية ليست حربنا، ولسنا طرفاً فيها".
ويعتبر أن "القيادة الإيرانية دمرت شعبها وبلدها، وتاجرت بفلسطين، كما دمرت لبنان والعراق واليمن وسوريا، واستخدمت أبناء هذه الدول لخدمة مصالحها، وجعلت من المذهب مطية سياسية".
ويرى العموش أن "إيران تطعننا من الخلف، وآن لها أن تتوقف. العرب لن يحاربوا إيران، لكن قطع العلاقات معها، أو حتى التهديد بذلك، قد يشكل ورقة ضغط مهمة. فمضيق هرمز ليس ملكاً لإيران، بل ممر مائي دولي يخدم الاقتصاد العالمي، ولذلك يجب إيجاد قناة جديدة، على غرار قناة السويس، عبر الأراضي الخليجية".
#Analysis#
محاولات تقارب انتهت بالفشل
أما الكاتب الأردني فهد الخيطان، فيؤكد أن "الجهود الديبلوماسية والسياسية على مدى سنوات طويلة أخفقت في تكريس علاقات مستقرة بين عمّان وطهران، لا سيما أن السلوك الإيراني ظل مصدر قلق أردني شديد، خصوصاً على المستوى الأمني"، لافتاً إلى أن "هذا القلق تنامى بعد التدخل العسكري الإيراني في سوريا، ونشاط الحرس الثوري والمليشيات المحسوبة على طهران في المناطق المحاذية للحدود الأردنية، إلى جانب محاولات استخبارية إيرانية لاختراق الساحة الأردنية، ونقل السلاح وتخزينه، وتجنيد عناصر لتنفيذ عمليات تستهدف مصالح أردنية وأجنبية".
ويتطرق الخيطان إلى "محاولات لفتح صفحة جديدة بين الأردن وإيران سبقت الهجمات الأميركية - الإسرائيلية في حزيران/يونيو من العام الماضي، إذ تحقق بالفعل اختراق ديبلوماسي وسياسي وأمني، لكن الاتصالات بين الجانبين توقفت بعدما أنكر الجانب الإيراني معلومات أردنية تفصيلية، موثقة ومدعومة بأدلة قاطعة، بشأن عمليات حاول الحرس الثوري الإيراني تنفيذها داخل الأردن".
ويضيف أن "ملف التدخلات في الأردن لم يكن المشكلة الوحيدة مع إيران، إذ كان لعمّان أيضاً موقف شديد التحفظ والرفض لسلوك إيران تجاه دول الخليج العربي، وللتدخلات الإيرانية المتواصلة في شؤون هذه الدول".