التراث الموسيقي في المغرب .. بين التوثيق الأكاديمي والتحدي المجتمعي

ناقش متخصصون في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط “الموسيقات المغربية المصنفة باليونسكو”، أمس الأحد، وكشف المعلّم الكناوي عبد السلام عليكان مسار توثيق فن كناوة ضمن لائحة التراث العالمي للإنسانية، ومسار بحثه عن أصول مغنّيات كناوية في أربع لغات من “السودان الغربي” ثم مسار مغربتها لقرون.

وسرد عليكان مسار “تسجيل اليونسكو تراث كناوة تراثا عالميا للإنسانية” قائلا: “كنت محظوظا بتمثيل الفن الكناوي في بوغوطا في كولومبيا، لكن التسجيل أخذ مسارا (…) بدأنا إعداد الملف سنة 2013، وكان ينبغي أن يحضر الكناويون، ويزكوا فكرة تسجيل تراثهم في اليونسكو. وفي 2019 جاء اعتراف اليونسكو”، ثم استدرك: “لا ينبغي أن نقف عند محطة الاعتراف فقط، بل السؤال هو العمل والمكسب بعد هذا؛ فهناك ما تأخرنا فيه مقارنة بدول أخرى، شكلت مدارس خاصة لنقل لتراثها الإبداعي، أيا كان هذا التراث”.

وحول أصول “تاكناويت” تحدث الشاهد عن قدوم “فنون كناوية” من مناطق متعددة من القارة الإفريقية إلى المغرب في شمال القارة، موردا: “لما وجد كناوة الزوايا القادرية والحمدوشية وغيرها… صار تركيب هذا النوع تركيبا مغربيا، ومع مرور القرون صار عنوان القصيدة من منطقة أخرى في إفريقيا، وبقيتها من المغرب”.

وفي رحلاته الفنية في دول من بينها مالي والنيجر وتوغو وبوركينا فاسو كان الفنان ذاته يبحث عن “أصل العامية الكناوية”، ووجد أن “ما نغنيه في المغرب يشمل البامبارا، والبيل الفولاني، والحوسة، وتاماشاك (…) أغلب ‘المعلمين’ يغنون ‘تاكناويت’ ولا يعرفون ما يغنون (…) ومع الراحل علي فركا توري بتومبوكتو، وقبل ذلك بباماكو، جاءتني فكرة تتبع أصول اللغات التي نجدها في كناوة”، وهو ما وجد ثمرته في كتاب أصدره.

أما عبد المجيد فنيش، مخرج مسرحي وباحث في الفنون المغربية، فتحدث عن تسجيل الملحون تراثا عالميا للإنسانية باسم منبعه المغرب، وذكر أن “الاشتغال على ملفه تم على مستويين، أولهما أخذ قرنا دون إدراك الترشيح للتصنيف، بما شمل مرحلة وجود العلامة محمد الفاسي بفرنسا للدراسة في السوربون ومصادفة وجوده وجود محمد بلحسن المراكشي، وهو من فقهاء وشعراء مراكش القريبين من الباشا الكلاوي، حيث انطلقا في الحديث عن الملحون”.

وأضاف فنيش: “بعدها جرت سلسلة من الإجراءات والعمليات والمبادرات التي تبدو بسيطة لكنها مسار منتظم. وترجم محمد الفاسي بعد القصائد الملحونية إلى الفرنسية، وجمّع وصنّف الملحون حسب الشعراء والأغراض والبنيات العروضية… ثم جاء الدكتور عباس الجراري الذي تخصص في الزجل المغربي، وخاصة الملحون، وناقشه أكاديميا خارج المغرب في القاهرة، لأن الجامعة المغربية كانت ترفض الاهتمام بكل ما هو بالعامية”.

بعد هذا جاء اهتمام “في المسرح والجوق الوطني للتلفزيون والأجواق الجهوية للملحون مع عبد الله شقرون وأسماء أخرى، وصار المغربي يسمع الملحون في الإذاعة ممثّلا؛ ثم مع الطيب الصديقي وعبد السلام الشرايبي، وجيل جيلالة وناس الغيوان، حدثت طفرة حولت الملحون من الجمود ومن سردية ثابتة تقليدية إلى تكييف مع السياقات”، يورد المتحدث ذاته، وزاد: “وشيئا فشيئا دخلت البحوث في الملحون إلى الجامعة المغربية، وانتقل من ‘النزاهة التقليدية’ و’الأفراح’ إلى مرحلة أكثر حداثة هي الجمعيات المختصة في الملحون، ثم وزارة الثقافة مع محمد بن عيسى والمهرجان الوطني للملحون، وحضور المرأة في الملحون في الإعلام، والمزج الموسيقي مع فنون أخرى… وتتميما لمسار أكاديمية المملكة مع ‘معلمة الملحون’ لمحمد الفاسي أصدرت ‘موسوعة الملحون’ مع عباس الجراري في 11 جزءا”.

وتابع الباحث نفسه: “هنا كان ينبغي أن يصير الحديث رسميا على تصنيف الملحون، ومنذ 2017 كان الاشتغال على الملف في أكاديمية المملكة، وصاحب الترشيح هو وزارة الثقافة”، إلى أن جاء الاعتراف في سنة 2023.

لكن “السؤال الحقيقي” بالنسبة لفنيش هو: “ما بعد التصنيف”، الذي هو “وسيلة وليس غاية في ذاته”؛ إذ “ينبغي علينا التساؤل بشأن علاقة الملحون مع محيطه المحلي، وأن يصير مشتركا إنسانيا (…) مع الحاجة إلى قاموس جديد للشعرية، وبلاغة وبيان وبديع (…) الباقي أصعب مما مر (…) ويطرح سؤال أي حضور للموسيقى في الملحون؟ وهو صنف موسيقى لا أدبا أو منظومة نكت وأمثال شعبية (…) الملحون تراث ولكنه غير جامد، وقابل للتحول بتلقائيته، والتناقل بين الأجيال والتفاعل بينها”.

أبو القاسم الشبري، باحث وإطار في وزارة الثقافة، تحدث من جهته عن اتفاقية سنة 2003 لليونسكو، للتراث غير المادي، وعمل منظمة الإيسيسكو التي أحدث مقرها العالمي بالرباط، ووضعت أيضا لائحة للتراث الإسلامي العالمي.

وقال المتحدث ذاته: “سنة 2001 موازاة مع إصدار الاتفاقية العالمية للتنوع الثقافي سجلت اليونسكو خمسة من عناصر روائع التراث الشفهي للبشرية، ومنها جامع الفنا بمراكش”، مردفا: “ما يحكم روح عمل اليونسكو (…) روح وفلسفة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”.

وأضاف الشبري: “مواثيق اليونسكو تربط التصنيف بالتزامات أخلاقية تقع على الدول الأطراف، وتدابير الصيانة والمحافظة على التراث غير المادي، والتوثيق والجرد (….) واعتماد حماية التراث وصيانته في السياسات العمومية، وإنشاء الأجهزة المشرفة على تسيير وتدبير هذا التراث، مع تدريب وتكوين مستمر لتدبيره”.

أما عبد العاطي الحلو، أستاذ باحث، مشرف سابق على قسم التراث اللامادي بوزارة الثقافة، فتحدث عن “غنى وتعدد خريطة الموسيقى بالمغرب”، و”تنوع الإيقاعات المعبرة عن مكنونات النفس الذاتية والجماعية”، والمشكلة لـ”بعد مهم من التراث المغربي هو التراث الفني”.

The post التراث الموسيقي في المغرب .. بين التوثيق الأكاديمي والتحدي المجتمعي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress