الأضحية بين القدرة والضرورة .. الغلاء يعيد رسم أولويات الأسر المغربية

تتجه الأنظار إلى أسواق المواشي في وقت تضررت فيه جيوب المواطنين من غلاء المعيشة، وترى قراءات اقتصادية ومهنية أن العام الجاري يحتمل أن تسعى فيه الأسر المغربية المتوسطة والبسيطة إلى تقليص رغباتها ووضع سقف محدد لاقتناء الأكباش.

وعزا خبراء اقتصاديون هذا السلوك إلى موجات تراكمية من التأثر بالغلاء خلال السنوات الأخيرة؛ مما يوحي بدفع الأسر المغربية المتأثرة نحو تغيير العادات الاستهلاكية بشكل جذري.

عبد العالي الزنيتي، فلاح ومربي ماشية من نواحي فاس، قال إن موجة الغلاء الحالية أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمواطن، حيث شملت الارتفاعات كافة المواد الاستهلاكية الأساسية.

وأوضح الزنيتي، في تصريح لهسبريس، أن أسعار أضاحي العيد ليست استثناء من هذا السياق العام؛ بل تأثرت بشكل مباشر بارتفاع تكلفة المواد الأولية.

ولفت الفلاح ذاته إلى وجود محاولات للضغط على “الكسابة” لخفض الأسعار؛ غير أنه شدد على أن السوق هو الذي يفرض أحكامه، في نهاية المطاف.

وفي هذا الصدد، سجل المتحدث عينه أنه على الرغم من الدعم المقدم لقطاع المواشي، فإن سعر اللحوم ظل مرتفعا ولم يعرف الانخفاض المأمول مقارنة بالسنوات الماضية، وفق تعبيره.

وفي تحليل للوضع الراهن، ذكر الزنيتي أن الحكومة نفسها استغربت عدم توازن الأسعار في السوق، على الرغم من الوفرة النسبية للقطيع. وأرجع هذا الخلل إلى استمرار معدلات التضخم المرتفعة التي مست جميع المواد؛ مما جعل كلفة الإنتاج والمعيشة تزداد بشكل مطرد على الجميع.

وبخصوص العرض المتوفر حاليا، أفاد المصدر سالف الذكر بأن الإقبال لا يزال ضعيفا، مع ملاحظة انخفاض طفيف في أسعار الأغنام لدى المربين الصغار (الكسابة الرعاة). أما “الأغنام المسمنة” المعدة خصيصا للعيد، فلا تزال أسعارها مرتفعة ولم تُطرح بعد بشكل واسع في الأسواق.

وفي الختام، دافع عبد العالي الزنيتي عن دور “الوسطاء” (الشناقة)، معتبرا أنهم يتعرضون لهجمات واتهامات بالمسؤولية عن الغلاء. وأكد أن للوسيط دورا محوريا في ضمان التوازن اللوجستي بين المدن والأسواق، ولولاه لما وصلت الأضاحي إلى العديد من المناطق البعيدة.

خالد حمص، خبير اقتصادي، قال إن “استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي بهذا المستوى التصاعدي سيشكل ضغطا كبيرا على الأسر المغربية، مما قد يؤدي إلى بلوغ حد أقصى تعجز معه فئات واسعة عن اقتناء الأضحية؛ وهو ما ينذر بتغير جذري في العادات الاستهلاكية المرتبطة بهذه المناسبة الدينية”.

وأشار حمص، في تصريح لهسبريس، إلى بوادر تغير في سلوك المغاربة تجاه هذه السنة، حيث يلاحظ أن عدم توفر الظروف الملائمة والقدرة المادية قد يدفع العائلات إلى البحث عن حلول بديلة؛ مثل الاشتراك في أضحية واحدة لمجموعة من الأشخاص أو حتى التخلي التام عن الشراء نظرا للظروف الاقتصادية الراهنة.

وتوقع الخبير الاقتصادي أن يشهد العام الحالي تراجعا ملموسا في حجم الطلب على الأضاحي مقارنة بالسنوات الماضية، معتبرا أن ارتفاع الأثمان ليس العائق الوحيد؛ بل هناك تطور في وعي المستهلك، الذي بدأ يتقبل فكرة عدم الأضحية كخيار عادي ومنطقي في ظل الغلاء المفرط.

وبالعودة إلى تجربة السنة الماضية، أوضح المتحدث عينه أن إلغاء النحر كان متنفسا معنويا وماديا للأسر، حيث شعر المواطن براحة نفسية تجاه واجباته الدينية لعدم قدرته، واستفاد ماديا من توفير تلك المصاريف؛ مما عزز القناعة بأن الأضحية تظل سنة وليست فرضا.

واختتم حمص بالتأكيد على أن استمرار موجة الغلاء سيفرض قراءة جديدة لهذه الشعيرة، حيث ستكتفي بعض الأسر باقتناء كميات محدودة من اللحوم للاحتفال مع الأبناء فقط؛ مما يؤشر على تحول اجتماعي في التعاطي مع هذه السنة الدينية بما يتناسب مع الإمكانيات المادية المتغيرة.

The post الأضحية بين القدرة والضرورة .. الغلاء يعيد رسم أولويات الأسر المغربية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress