الأضاحي تنعش اقتصاد الدول الإسلامية
يتحول عيد الأضحى في البلدان الإسلامية كل عام إلى موسم اقتصادي واسع تتحرك فيه أسواق الماشية، والأعلاف، والنقل، والمسالخ، والتبريد، والتجارة الإلكترونية، والجمعيات الخيرية. فالأضحية، التي تبدأ في الوعي الشعبي بخروف أو عجل، تنتهي عملياً بسلسلة قيمة كاملة: مربّون، مستوردون، أطباء بيطريون، ناقلون، عمال مسالخ، بائعو أعلاف، تجار تجزئة، ومؤسسات إغاثة توزع اللحوم داخل البلد وخارجه.
في السعودية، حيث يلتقي موسم الأضاحي مع الحج، يظهر البعد الاقتصادي واللوجستي بأوضح صوره. فمشروع المملكة للإفادة من الهدي والأضاحي، المعروف بـ«أضاحي»، أُطلق في عام 1983، وتشرف عليه جهات حكومية عبر البنك الإسلامي للتنمية، وتبلغ طاقته التشغيلية نحو 1,5 مليون رأس من الأغنام، إضافة إلى 10 آلاف من الإبل والأبقار.
لا يكتفي هذا المشروع بالذبح، بل يتولى التجميد والتغليف والتوزيع، ويرسل الفائض إلى أكثر من 27 دولة، بينها لبنان وسوريا والعراق والسودان وفلسطين وبنغلادش وباكستان، ودول أفريقية عدة.
اقتصادياً، تعني هذه الأرقام أن الأضحية الواحدة صارت سوقاً منظّمة عابرة للحدود: في دول الخليج، تؤدي الواردات دوراً حاسماً لمحدودية المراعي المحلية وارتفاع الطلب على اللحوم الطازجة الحلال، خصوصاً في المواسم الدينية. وتشير بيانات تجارية منشورة إلى أن السعودية كانت في 2024 أكبر مستورد عالمي للأغنام الحية بقيمة تقارب 1,28 مليار دولار، وهذا يعكس حجم الطلب الموسمي واليومي معاً.

لكن صورة السوق في 2026 تكشف مفارقة واضحة: وفرة في بعض البلدان، وغلاء في معظمها. السبب ليس الندرة وحدها، بل ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة والشحن والعمالة والطب البيطري، إضافة إلى أثر التوترات الجيوسياسية على النقل والتأمين. في مصر، مثلاً، ارتفعت أسعار الأعلاف بأكثر من 30%، وارتفعت أسعار اللحوم بنحو 20%، ووصل سعر الكيلو إلى نحو 470 جنيهاً، أي 8.8 دولارات، بعدما كان بين 380 و400 جنيه قبل شهرين تقريباً. وطرحت وزارة الزراعة المصرية أكثر من 158 ألف رأس من العجول والأغنام والجمال، إلى جانب 165 ألف طن من اللحوم ومنتجاتها، لمحاولة زيادة المعروض وضبط الأسعار.
وفي الجزائر، الأضحية اليوم تفتح ملفاً اجتماعياً واقتصادياً حساساً: اتجهت الدولة إلى برنامج استيراد مليون رأس غنم، مع تحديد سقف سعر الأضاحي المستوردة عند 50 ألف دينار، أي نحو 376 دولاراً. لكن الأسعار المحلية بقيت مرتفعة؛ إذ ارتفع ثمن بعض الخراف من 90 و100 ألف دينار العام الماضي، أي 677 إلى 753 دولاراً، إلى ما بين 140 و150 ألف دينار هذا العام، أي نحو 1054 إلى 1129 دولاراً. واللافت أن الكميات المستوردة، بحسب تقديرات محلية، لا تمثل سوى ثلث احتياجات السوق.
في المغرب، يحمل هذا الموسم ذاكرة أزمة العام الماضي، حين ضغط الجفاف على القطيع ورفع الأسعار. هذا العام تبدو الأسواق أكثر وفرة، لكن الكلفة ما زالت مرتفعة بفعل الأعلاف والنقل. في الأسواق الكبرى، يُباع الخروف أحياناً بالكيلو بين 78 و85 درهماً، أي 7.8 إلى 8.5 دولارات، بينما تقدّر الأسعار العامة بين 3000 و4000 درهم، أي 300 إلى 400 دولار. وتبقى الأصناف الممتازة، مثل «الصردي»، أعلى سعراً وقد تصل في بعض الأسواق إلى نحو 6500 درهم، أي حوالى 650 دولاراً.
في الأردن، تبدو السوق أكثر توازناً من دول أخرى، مع وفرة في الخراف البلدية والمستوردة، لكن الأسعار مرشحة للارتفاع بنحو 10% مقارنة بالعام الماضي. يبلغ متوسط سعر كيلو الخروف البلدي نحو 5.5 دنانير، أي 7.75 دولارات، ما يجعل الخروف بوزن 50 كيلوغراماً عند حدود 275 ديناراً، أي 388 دولاراً. أما الخروف الروماني، فتأثر بارتفاع الشحن والتأمين والطلب العالمي، ليصل سعر الكيلو إلى نحو 6 دنانير، أي 8.46 دولارات.

في قطر، ارتفعت أسعار الخراف بنحو 20% مقارنة بالموسم الماضي. وصل سعر الخروف البلدي أو السوري إلى نحو 2000 ريال، أي 548 دولاراً، بعدما كان حول 1600 ريال. أما الأغنام السودانية فتتراوح بين 1400 و1600 ريال، أي 383 إلى 438 دولاراً، فيما تجاوز الخروف الصومالي 800 ريال. لكن الدولة تدخلت عبر دعم مباشر للمواطنين، إذ يحصل المواطن القطري فوق 18 عاماً على خروف مدعوم بسعر 1000 ريال، أي نحو 274 دولاراً.
في الكويت، تبدو الأسعار أكثر استقراراً نسبياً. يتراوح سعر الخروف المحلي بين 130 و170 ديناراً، أي 420 إلى 520 دولاراً، بينما تتراوح بعض الأنواع الأخرى، مثل الشفالي، بين 80 و100 دينار، أي 259 إلى 323 دولاراً، والنجدي بين 120 و140 ديناراً، أي 388 إلى 453 دولاراً. ويساعد الدعم المبكر للمربين وتنشيط الاستيراد والرقابة على الأسواق في إبقاء الأسعار ضمن نطاق يمكن التحكم به.
لبنان يقدم مثالاً مختلفاً: المشكلة ليست السعر وحده، بل ضعف قدرة اللبنانيين الشرائية. فالأضاحي متوافرة نسبياً، لكن كلفة الأعلاف، التي تشكل أكثر من 60% من إجمالي تكلفة التربية، مع المحروقات والكهرباء والأدوية البيطرية، رفعت السعر النهائي. يبلغ سعر كيلو الخروف نحو 6 دولارات، أي أن خروفاً بوزن 55 كيلوغراماً يصل إلى نحو 330 دولاراً، بينما تبقى بعض العجول فوق حاجز 2000 دولار. وفي سوق كهذه، تلجأ أسر كثيرة إلى تقليص حجم الأضحية أو المشاركة فيها.
هكذا، لا تنعش الأضاحي اقتصاد البلدان الإسلامية من باب الاستهلاك فقط، بل من باب تدوير السيولة في قطاعات ريفية وحضرية معاً. فهي تمنح المربي موسماً ينتظره طوال العام، وتحرك النقل والشحن والتبريد، وتزيد الطلب على الأعلاف والخدمات البيطرية، وتخلق فرص عمل مؤقتة في المسالخ والأسواق. كما تفتح باباً اجتماعياً واسعاً عبر توزيع اللحوم على الفقراء، وتحويل جزء من الفائض إلى دول محتاجة.
لكن هذا الانتعاش يحمل وجهاً آخر: الأضحية صارت مؤشراً دقيقاً إلى كلفة المعيشة. حين ترتفع الأعلاف أو الوقود أو التأمين البحري، يظهر ذلك سريعاً في سعر الخروف. وحين تضعف العملة أو تتراجع القدرة الشرائية، تتحول الشعيرة من عادة سنوية مستقرة إلى قرار مالي صعب. لذلك، فإن اقتصاد الأضاحي في 2026 يقول شيئاً أبعد من العيد: إنه يكشف حال الأمن الغذائي، وقوة سلاسل الإمداد، وقدرة الدول على حماية التقاليد حين تصبح التقاليد نفسها مكلفة.