استقواء الحزب بمكاسب واهمة يشعل المواجهات بعد روبيو... ردٌّ مدو للمفتي يدعم خيار الدولة
لم تمر الذكرى الـ26 لما سمي "عيد المقاومة والتحرير" من دون أن تزيد المفارقات الدراماتيكية التي يعيشها لبنان، بسبب إمعان "حزب الله " في استدراج الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وتعميق الأدوار الدولية وفي طليعتها الدور الأميركي من جهة أخرى، بل كاد تعنّت الحزب في الساعات الأخيرة ان يستدرج إسرائيل تكراراً إلى استهداف الضاحية الجنوبية من بيروت ميدانياً، فيما استدرج سياسياً وديبلوماسياً ردّاً اميركياً عاجلاً على تهديداته للحكومة اكتسب الكثير من الدلالات البارزة والاستثنائية.
ولعل المفارقة التي ارتسمت أمس، وسط التصعيد اللاهب الذي عرفه الجنوب وشمال إسرائيل، تمثلت في أن تداعيات الاتفاق المحتمل الذي لم يولد بعد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تدفّقت سلباً وبسرعة استباقية على لبنان بفعل تصعيد ميداني واسع، بدا معه الحزب مستعجلاً على الاستقواء الافتراضي بوعود إيران ومزاعمها بأنها ستحصد وقف نار للبنان، فيما لم تتأخر إسرائيل بالتهديد بإعادة الحرب الكثيفة إلى لبنان بفعل تساقط مسيّرات الحزب في شمال إسرائيل.
وأما التهديدات السافرة للأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بإسقاط الحكومة اللبنانية في الشارع، ففتحت الباب أمام واقع جديد بارز تمثّل في الردّ الفوري بل والتحذير الذي وجّهه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الحزب بأن زمن تحويله لبنان رهينة قد شارف النهاية وأن الحكومة اللبنانية تحظى بالدعم الكامل للولايات المتحدة الأميركية.
وما اكتسب أهمية موازية لبنانياً في الردّ المباشر على تهديدات نعيم قاسم جاء على لسان مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، عبر موقف مقدام ومتقدم للغاية دافع فيه بل رحّب بخيار المفاوضات الذي تسلكه الدولة اللبنانية منتقداً بقوة سياسات الحزب ضمناً.
على الصعيد الميداني، تفاقم التصعيد في الساعات الماضية ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، عن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير خلال النقاش الأمني المصغّر مساء الأحد، إنه يجب مهاجمة مبانٍ في بيروت، رداً على هجمات الطائرات المسيّرة التابعة لـ"حزب الله". وذلك بحسب مصادر مطّلعة على مضمون جلسة الكابينت الأمني المصغّر التي عقدها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع قادة المؤسسة الأمنية الكبار.

وبدوره، دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى إبلاغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن إسرائيل "عائدة إلى الحرب في لبنان"، عقب إطلاق طائرات مسيّرة تابعة لـ"حزب الله باتجاه مواقع إسرائيلية وقوات الجيش في الشمال.
وقال بن غفير إنه "يُحظر التطبيع مع واقع الطائرات المسيّرة المفخخة"، مضيفاً أن الوقت حان لكي يُبلغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الإدارة الأميركية بأن إسرائيل ستستأنف عملياتها العسكرية في لبنان. وأضاف أن بلاده بحاجة إلى "قطع الكهرباء عن لبنان، واحتلال الضاحية، والعودة إلى حرب مكثفة"، في إشارة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي أن "حزب الله" أطلق مسيّرات عدة مفخخة باتجاه شمال إسرائيل، موضحاً أن إحداها سقطت في منطقة المطلة، بينما لا تزال ملابسات الحادث قيد التحقيق.
وذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن مسيّرتين انفجرتا في قاعدة عسكرية وببلدة بالجليل الغربي واندلع حريق في أحد الموقعين.

في المقابل، صعّد الجيش الإسرائيلي عملياته وإنذاراته ووسّعها، بدءاً بإنذار سكان مدينة صور والمخيمات المحيطة بها، ولاحقاً وجّه إنذاراً عاجلاً إلى الرشيدية وبرج الشمالي في قضاء صور ومن ثم العباسية في صور.
وشنّ الطيران الإسرائيلي موجات كثيفة من الغارات استهدفت بلدات القليلة وصديقين والمنصوري ويحمر الشقيف وزوطر الشرقية وحاروف والقطراني والكفور وميفدون والنبطية والقليلة والحنية جنوب صور.
ومنذ الصباح، نفّذت مسيّرات إسرائيلية غارات مستهدفة سيارة على اوتوستراد كفررمان- الجرمق، وسيارة على طريق الجرمق- الخردلي، ودرّاجة نارية على اوتوستراد كفررمان- الجرمق قرب أوتيل يوزرسيف، وأفيد عن مقتل 3 مواطنين بهذه الاستهدافات. وأفيد بأن المُستهدف في الغارة على طريق الخردلي هو زياد الأحمد إبن رئيس بلدية الوزاني السابق.
وشنّ الطيران الحربي والمسير، سلسلة من الغارات طاولت قرى، تبنين، الشهابيةً، أرزون، قبريخا، طورا، صريفا والحنية والدوير وكفررمان، استهدفت احياء ومباني سكنية وبنى تحتية وطرقات وشبكات كهرباء موقعة عدداً من الاصابات.
أما في المشهد السياسي، وإذ صدرت مواقف رسمية وسياسية في ذكرى 25 أيار، أكد رئيس الجمهورية جوزف عون أنَّ "ذكرى التحرير تأتي هذا العام ولبنان يرزح تحت وطأة واقعٍ مؤلم؛ فالاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، وقرى جنوبية عزيزة لا تزال تئن تحت وطأة احتلال مُتجدد في انتهاك فاضح لكل القرارات الدولية وفي مقدَّمتها القرار 1701".
وأضاف: "إنَّ لبنان لن يقبل بهذا الواقع ولن يُسَوِّيَ معه، وسيبقى الطريق إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل مطلباً وطنياً ثابتاً لا تنازل عنه تعمل الدولة اللبنانية على تحقيقه من خلال خيار التفاوض الذي لن يكون تنازلاً ولا استسلاماً، بل تأكيدًا على حصرية حق لبنان في حماية أرضه وسيادته وبسط سلطته من خلال جيشه وقواه الأمنية الشرعية، وبفضل تضامن شعبه والتفافه حول دولته التي اتخذت قرارات مصيرية في هذا الاتجاه تُعبِّر عن إرادة وطنية بالغة الأهمية لاستعادة السيادة الكاملة".
اما الموقف الأبرز، فجاء في رسالة الأضحى التي وجّهها من مكة المفتي دريان وأطلق عبرها رداً مدوياً على "حزب الله"، فأعلن أنه "ما عادَ أحَدٌ مِنَّا مُقتَنِعًا بالأساليبِ المُنتَهَجَةِ في مُواجَهَةِ العَدُوّ، أو في استِجلابِ العَونِ والتَّضَامُن. إذ في كُلِّ مُواجَهةٍ نَخسرُ المَزيدَ مِنَ الأرضِ، وَمِنَ الأرواحِ، ومِنْ مُتَطَلَّباتِ الاستِقرارِ والسَّكينةِ، وسلامةِ الشَّرفِ والكَرامَة، فضلًا عَنِ الأمنِ والسِّيادة".
وتابع دريان: "لقد تَكَرَّرَ ذلكَ في حُروبٍ عِدَّة، تبدأُ مِن جانبٍ أو أكثرَ مَحسوبٍ علينا. وتنتهي بِوقفٍ للنَّارِ بَعدَ خرابٍ كبير، وقَتْلٍ مريع. هو أُسلوبٌ مَكررٌ أصبَحَ عَبَثِيًّا يَتَسَبَّبُ بِهَلاكِ الإنسانِ والعُمرانِ كما سَبَق، وهذا إلى احتلالِ الأرض.
وما دامَ هذا الأسلوبُ غَيرَ مُوَفَّق، وَنَتَائجُهُ دائمًا كارثِيَّةٌ فَيَنْبَغِي تَغييرُه، ولهذا نَجِدُ أنَّ لُجوءَ الدَّولةِ للتَّفاوُضِ مِن أجلِ وَقفِ النَّار وانسِحابُ المُحتَلِّ هو عملٌ سياسِيٌّ ودِينيٌّ يستَحِقُّ التَّرحيبَ، لأنَّه يُخَفِّفُ مِنَ الخَسائرِ وَمِنَ المُعاناةِ، وَيَعِدُ بإعادةِ أهلِ الجنوبِ إلى قُراهم وبلَداتِهِم. وإذا قيلَ إنَّ في ذلِكَ تَنازلًا واعْتِرافًا بِالعَدُوّ، فنحن واهمون لأنَّنَا نحن أصحابَ المَصلحةِ في وَقْفِ القَتْلِ والقِتال، وإذا لم يَحْدُثْ ذلكَ بالحَرب فَلْيَحْصُلْ بالتَّفاوُض، لذا ينبغي اجتراح الحلول والمخارج لمصلحة لبنان واللبنانيين، انطلاقاً من ذلك ندعو الى صحوة ضمير لإنقاذ الوطن".