استعصاء في التفاوض كما في استئناف الحرب

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

هل حياة دونالد ترامب فعلاً في خطر، كما ورد في بعض العناوين؟ وهل مشهد مجتبى خامنئي، بعد الإصابة، لا يسمح له بالظهور حتى في مشهد لتوديع والده الراحل؟ وهل المخطط لاغتيال الرئيس الأميركي هو ما جرت اعتقالات في شأنه، أم أن بنيامين نتنياهو أبلغ عن مخطط آخر يُفترض أنه إيراني كي يلبّي طموحه لاستئناف الحرب؟... في أي حال، هناك استعصاء في المفاوضات، كذلك في احتمالات إعادة الأعمال العدائية إلى زخمها في آذار/مارس الماضي. إذ إن الخلاف على تفسير بنود "مذكرة التفاهم" أفضى إلى وضع يتعذّر معه اعتبار الحرب منتهية، أو أن التفاوض بالطريقة الحالية يمكن أن ينتج اتفاقاً نهائياً.

 


تقسيم مضيق هرمز

 

سيبقى الجانبان في معضلة. فالولايات المتحدة لم تستطع تحقيق أهدافها بالقوّة وباتت مضطرّة لإدارة أزمة طويلة ومكلفة لكنها لن تنهي النزاع بأمر واقع إيراني يتحكّم بـمضيق هرمز، أي باقتصاد الخليج والعالم. المعضلة أيضاً في أن طهران تريد تحصيل مكاسب حددتها لنفسها ولا تبدي أي استعداد لتنازلات، ومن الواضح أن خططها لما بعد الحرب لا تؤسّس لعلاقات طبيعية مع جوارها الخليجي أو مع العالم... لذلك، ستكون المهمة الجديدة للوسطاء أكثر دقّةً وصعوبة، إذ إن عُقدة مضيق هرمز ليست أميركية - إيرانية حصراً، بل خليجية ودولية في مواجهة إيران. وها هو أحد الحلول الوسط يُطرح ليقسم المضيق إلى ثلاثة مسارات: شمالي يحاذي الساحل الإيراني، أوسط يقع في المياه الدولية، وجنوبي يحاذي الساحل العُماني. 


الأكيد أن هذا الحلّ، إذا اعتُمد فعلاً، سيحتاج إلى إطار قانوني دولي يحدّده ويحميه، ولا أحد يملك حالياً أي تصوّر لكيفية تطبيقه، لكنه سيحسم الجدل حول الهوية الدولية لهذا الممر المائي الذي تدافع طهران بقوّة عن "إيرانيته" وعن حقّها في مصادرته. كرّرت سلطنة عُمان، المشاطئة جنوباً للمضيق، أنها مع كل حلٍّ يحترم القانون الدولي. أما طهران فلا تزال ترفض كل صيغة لإعادة الملاحة الدولية حرّة كما كانت قبل الحرب، وبالتالي فإنها سترفض التقسيم الثلاثي لأنه يتعارض مع طموح سيطرتها على المضيق، كما أوصى بها المرشد مجتبى خامنئي في رسالته الأولى بعد انتخابه. والأهمّ أنه يعطّل استخدام المضيق ورقة ابتزاز، سواء في المفاوضات النووية، أم في ممارسة النفوذ الإقليمي.


ثار الجدل في إيران، قبل تشييع المرشد السابق، ثم توسّع بعده، حول مخرجات "مذكرة التفاهم"، وتبادلت طهران وواشنطن اتهامات بانتهاك بنود "المذكرة". وبلغ ترامب حدّ اعتبار الاتفاق على وقف إطلاق النار "منتهياً"، فيما أبقى خط التفاوض مفتوحاً، لكن طهران أعربت بصيغ مختلفة عن عدم جاهزيتها للتفاوض. ومن الواضح الآن أن البند المتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز وحرية الملاحة و"تنسيق إيران مرور السفن" انطوى على غموض وكان محكوماً بهدنة الشهرين، فتعاملت إيران معه على أنه الثغرة التي تتيح لها فرض إرادتها وسيادتها و"رسومها"، لكن السفن راحت تفضّل سلوك المسار العُماني حيث لا قيود ولا مخاطر ولا مطالبة بـ"رسوم عبور".


قصف الناقلات

عندئذ انتقل "الحرس الثوري" إلى استخدام القوّة لتعطيل هذا المسار، ولم يتردّد في قصف ناقلتين سعودية وقطرية، فكان لا بدّ للقوات الأميركية من أن تفعّل الردع بقصف مواقع عسكرية على الساحل الإيراني الجنوبي. فأيّ الطرفين خرق وقف النار أولاً؟ لا شك بأن إيران أخطأت بالتعرّض إلى السفن وبرهنت للقريب والبعيد أن الشكوك في سلوكها واقعية. فليس بهذه الطريقة يمكن إيران أن تفرض نفسها "شرطياً" للمنطقة، لأن الظروف تغيّرت، وأميركا تطالبها الآن بوثيقة مكتوبة ومعلنة تتعهد فيها عدم التعرّض لحرية الملاحة، على غرار تعهّدها عدم امتلاك سلاح نووي. هذا يعني فتح "مذكرة التفاهم" لتوضيحها أو تعديلها أو حتى استبدالها.


كانت طهران تعتقد أن "المذكرة" أعطتها 1) وقف الحرب (في لبنان أيضاً) و2) رفع الحصار الأميركي و3) تصدير النفط بلا عقوبات و4) استعادة أرصدة مجمّدة و5) ممارسة الهيمنة على مضيق هرمز. وهي أرادت أن تحسم النقطة الأخيرة قبل متابعة المفاوضات، أما ما سبقها فليس مكاسب خالصة بل يرتبط بتنازلاتها في المفاوضات النووية. وإذ انتهت طهران من مراسم التشييع ومشهديتها الجماهيرية الحاشدة، فقد "راحت السكرة وجاءت الفكرة"، إذ كانت قد سعت إلى إطالة الأزمة وراهنت على متغيّرات (كالانتخابات الأميركية النصفية، أو الانتخابات الإسرائيلية...) إلا أن مأزقها الحقيقي يكمن في الداخل.


فيما تبقى الكلمة الأخيرة للمرشد يبدو الآن أن العسكريين المتشدّدين أكثر تأثيراً في مواقف مجتبى وقراراته، إذ كان قد فوّض إلى الجناح المدني التفاوض الذي أنتج "مذكرة التفاهم" التي وافق على توقيعها رغم أن له رأياً مختلفاً، وقد أظهر أخيراً تباعداً عنها. فهو حدّد منذ بداية عهده ثلاث مهمّات: "معاقبة العدو وإلحاق الهزيمة به والانتقام منه"، لكنه لا يجد/ ولن يجد لها أثراً في أداء المفاوضين، لذا عاد فشدّد على "الانتقام".   

   

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية