سلطة العالم أخلاقه
عندما جمعني مجلس علمي بنخبة من العلماء والأدباء والشعراء، أنْصَتُّ إلى أحاديثهم بآذان صاغية، وتتبعتُ نقاشاتهم باهتمام بالغ؛ إذ مجالسة مثل هذه النخبة من أساتذتنا وعلمائنا ترياق لكثير من الأدواء النفسية والعلمية والاجتماعية، وبذلك؛ فهم يساعدون إلى تصحيح المفاهيم، وتنوير الأفكار بما يملكون من رؤى وتصورات، وما يقدمون من آراء ومقترحات، وما يصححون من أخطاء ومغالطات.
لكن، حدث أن عكَّـر صفو المجلس بعض حديثي النعمة بالسلطتين المعرفية والإدارية؛ من المتحذلقين الذين لم تـنـضـج بعد شخصيتهم، ولم يكـتمل بعد تكوينهم، إذ أصـرّوا على اقتعاد كرسي المعرفة بصلف وتـيه، وعجب وكـبْـر، أفسد علينا جميعا متعة الجلسة العلمية والإنصات إلى آراء وتوضيحات من نحب ونقدر من علمائنا وأدبائنا وأساتذتنا.
شعرت بكثير من الغيظ لما حدث، وأكبرت فيمن ضمهم المجلس تحلــِّيهم بروح العلماء في صفائها ونقائها، وتواضعها وعطائها، ووجدتـني أخط هذه الكلمات تحية لكل عالم يقدر علمه ونفسه بلطفه وعطائه، بخلقه وتواضعه؛ إذ مثل هذا العالم يرفل في السيادة في أغلى أثوابها، ويباشر المكارم في أرقى مدارجها.
من فضائل العلماء ومكارمهم، تمسكهم بسجايا خلقية حميدة، ومزايا فكرية رفيعة، وحرصهم على الاحتكاك بمجتمعهم والارتباط بشرائحه المختلفة؛ تنويرا للأفكار، وتهذيبا للأخلاق، وتطويرا للأوضاع، فتراهم ينصحون ويوجهون، يصححون ويؤسسون، يقـبلون عليك وكأنهم السائـلون، ويرعـونـك وكأنهم المسؤولون في حـنُّـو الآباء الأخيار، ومَبَـرّة الفـضلاء الأبرار، ومن ثـمّ فهم بحق علماء عاملون، تحصل المتعة بلقائهم، والفائدة بمجالستهم، بل أكثر من ذلك، يرتوي المرء علما نافعا، وخلقا كريما، وطبعا لـيِّـنا.
مثل هذه النخبة من العلماء الفضلاء تشجعك على الدرس، وتدفعك إلى النهل من ينابيع المعرفة، وتغريك بعذب سلسبيلها، فتحسب النفس أنها نالت مبتغاها، وحققت رجاها، غير أنها كلما استعذبت الشرب، كلما طلبت المزيد، وبذلك تتـخـلّق بخلق العلماء في البحث بتواضع، والعمل في صمت، والتعامل بهدوء ولين، سعيا وراء زاد لا يـسُـدُّ رمقا، وعـلم لا يُـبـل غـُـللآ…
إن ما نلمسه اليوم، عند بعض من يـدّعي علما، معتقدا امتلاء جِـرَابـه من المتعالمين من غرور وكبرياء، يدعو إلى وقـفة لاستـكناه صلـفهم، واستجلاء حـقيقـتهم، قبل أن يتربعوا كرسي سلطة أو غيرها لتـتـضح المواقف ويتمكن المرء من إبداء رأي وغيره.
ولعل مصدر هذا الخلق السلطوي والطيع الفاسد ما يعـتـقـده هؤلاء المتعالمون من قدرة على اختراق العوالم وامتلاك المعارف، وكأنها أصبحت حكرا عليهم، لا يستطيع أحد مجاراتهم ولا التحليق في أجوائهم، فيشيرون إليك من بعيد، ويحدثونك بصلف وتيه، ويعتقدون أنهم امتلكوا ناصية البيان، واقتعدوا كرسي الأعيان، فانتفخت أوداجهم قبل أن تمتلئ أشداقهم، وبذلك أساؤوا إلى أنفسهم وإلى مجتمعهم، وإلى علائقهم بغيرهم من المتعلمين والعلماء.
لا أريد أن أخوض في مثل هذه الأحاديث، ولا أن أشغل فكري بمثل هذه التعاليق، لكن دعـانـي إلى إثارة الموضوع أن السكوت عن مثـل هذه الحالات ــ ونحمد الله أنها قليلة ـــ ترسيخ للسائد منها، وإقرار بها في مجتمع نسعى إلى ارتقائه وانتشالـه من مثل هذه التصرفات.
إن مواصفات العالم الحـق، تربـأ به أن لا يتخلى عن أخلاقه، وأن لا يتنصل من مبادئه، وأن لا يتنكر لقـيـمه، إذ كلما اتسعت مدارك العالم، وازدادت معارفه وتنـوعت علومه ازداد تواضعا ومروءة وليـنا، وأخلاق علمائنا والحمد لله أغنى من أن تمدح أو تشكر، وهي رياض تتأرج بنسمات علومهم، وتروق جنباتها بجواهر تآليفهم، وتـتضمـَّخُ أنحاؤها بطيب عرفهم ودماثة طبعهم…
إن ما يزيدنا تعلقا بعلمائنا وتمسكا بأذيالهم، ما نلمسـه عندهم من رأي راجـح، وتوجـيه سديد، وتواضع كثير، كلما تحلـقـنا حولهم واجتمعنا بهم في ظروف مخـتلـفة، ونطمع دائـما في انتظام حلقاتهم والاستكثار من مجالسهم، فهم مدارس متحركة، يتزود منها طلاب العلم على اختلافهم، وينهل من ينابيعها الباحثون والدارسون، ويلـتـذ بها العارفون.
تحية لعلمائنا وأساتذتنا، ولكل من له الفضل علينا من آبائنا وأصدقائنا بعلم أو توجيه أو رأي سديد أو كلمة طيبة… إذ سلطة العــالــم أخــلاقــه…
الرباط، في 20 يونيو 2026.
The post سلطة العالم أخلاقه appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.