ائتلاف "سومار" يوظف ملف "اكديم إيزيك" لاستهداف علاقات المغرب وإسبانيا

يواصل ائتلاف “سومار” اليساري الإسباني تحركاته الداعمة لأطروحات جبهة “البوليساريو” داخل المؤسسات التشريعية، عبر مبادرات متكررة تستهدف ملف الصحراء المغربية. وفي أحدث هذه الخطوات، تقدم عدد من نوابه بمقترح غير تشريعي إلى الكونغرس الإسباني يدعو الحكومة إلى ممارسة ضغوط على المغرب من أجل الإفراج عن أحد المدانين بالسجن ثلاثين سنة في قضية اكديم إيزيك، إلى جانب أشخاص يصفهم بـ”المعتقلين السياسيين”، على الرغم من أن القضاء المغربي صنفهم مدانين في قضايا جنائية صدرت بشأنها أحكام نهائية.

وحمل المقترح توقيع كل من إنريكي سانتياغو، النائب عن حزب اليسار الموحد، وتيك سيدي عن حزب “ماس مدريد”، وأوغستين سانتوس عن ائتلاف “سومار”، إضافة إلى جيراردو بيساريلو عن حزب “الكومون” الكتالوني. كما دعا الموقعون الحكومة الإسبانية إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية، سواء على المستوى الثنائي مع الرباط أو داخل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بهدف الدفع نحو الإفراج عن المدانين في قضية اكديم إيزيك.

ويتضمن المقترح كذلك دعوة الأمم المتحدة إلى التدخل في الملف، والمطالبة بالتحقيق في مزاعم “التعذيب وسوء المعاملة”؛ فضلا عن تمكين عائلات السجناء من زيارتهم، ودعوة المقرر الأممي الخاص المعني بالتعذيب إلى زيارة المؤسسات السجنية التي يقضي بها المدانون عقوباتهم، في محاولة لإضفاء بعد حقوقي على قضية تعتبرها الرباط محسومة من الناحية القضائية.

ويأتي هذا التحرك في سياق يطبع علاقة جزء من اليسار الإسباني بملف الصحراء المغربية، حيث يستمر ائتلاف “سومار” وحلفاؤه في تبني خطاب سياسي يتماهى مع مواقف جبهة “البوليساريو” الانفصالية، على الرغم من التحول الذي عرفه الموقف الرسمي الإسباني منذ سنة 2022، عندما أعلنت حكومة بيدرو سانشيز دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب واعتبارها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لتسوية النزاع. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه المبادرات البرلمانية تعبر عن مواقف أحزاب بعينها أكثر مما تعكس توجه الدولة الإسبانية.

ومن الملاحظ أن المقترح الجديد يعيد توظيف ملف اكديم إيزيك باعتباره مدخلا للضغط السياسي على المغرب، متجاهلا أن القضية خضعت لمسار قضائي طويل انتهى بإعادة محاكمة المتابعين أمام محكمة مدنية، وفق ما تؤكد السلطات المغربية، قبل صدور أحكام نهائية في حقهم على خلفية جرائم من بينها القتل العمد والمشاركة في أعمال عنف أودت بحياة عدد من أفراد القوات العمومية خلال أحداث سنة 2010.

كما يبرز توقيت المبادرة استمرار رهان بعض مكونات اليسار الإسباني على الملف الحقوقي لإعادة إحياء النقاش حول الصحراء داخل المؤسسات الأوروبية والأممية، في وقت يشهد فيه المسار السياسي زخما متزايدا لصالح المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع اتساع دائرة الدول الداعمة لها، واستمرار مدريد في تطوير شراكتها الإستراتيجية مع الرباط على أساس خارطة الطريق المشتركة؛ وهو ما يقلص من الأثر السياسي لمثل هذه المبادرات البرلمانية، رغم ما تثيره من جدل إعلامي وسياسي.

حري بالذكر أن هذه التحركات تندرج ضمن محاولات متكررة لإضفاء طابع سياسي على ملفات جنائية حسم فيها القضاء؛ بينما تؤكد الرباط أن أي معالجة لقضية الصحراء ينبغي أن تتم في إطار المسار الأممي، بعيدا عن المبادرات الحزبية التي تسعى إلى توظيف الملف لخدمة أجندات إيديولوجية لا تنسجم مع التوجه الرسمي للعلاقات المغربية الإسبانية.

أجندة حزبية ضيقة

في هذا الصدد، قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، إن المبادرة البرلمانية التي أطلقتها مكونات من اليسار الراديكالي الإسباني بشأن ملف اكديم إيزيك تؤشر على “حالة حادة من التنافر السياسي داخل الائتلاف الحاكم في مدريد”.

وأشار الكاين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن المبادرة سالفة الذكر تتجاوز حدود المناصرة الحقوقية لتتحول إلى “مناورة سياسية تستهدف التشويش على السياسة الخارجية للدولة الإسبانية”؛ في ظل التحول الذي شهدته مواقف مدريد منذ سنة 2022 تجاه قضية الصحراء.

وأضاف رئيس منظمة “أفريكا ووتش” أن انخراط نواب من ائتلاف “سومار” و”اليسار الموحد” و”ماس مدريد” و”الكومونز” في هذا المسار لا يمكن فصله عن الصراع الداخلي حول توجه السياسة الخارجية الإسبانية.

وأبرز الناشط الحقوقي بالأقاليم الجنوبية أن الفاعلين الإسبان المذكورين “يحاولون توظيف ورقة حقوق الإنسان لاستعادة زخم إيديولوجي فقد تأثيره داخل المحافل الدبلوماسية الرسمية، وفرض أجندة حزبية ضيقة على حساب المصالح الإستراتيجية للدولة الإسبانية”.

وأوضح المتحدث عينه أن توقيت هذه المبادرة ليس اعتباطيا؛ بل يأتي في مرحلة بلغت فيها العلاقات المغربية الإسبانية مستوى متقدما من النضج الإستراتيجي عقب دعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي.

وأضاف أن تحرك النواب الموقعين على المقترح يمثل “محاولة للالتفاف على قرار الحكومة الإسبانية القاضي باعتبار المبادرة المغربية الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع”.

وأكد المهتم بنزاع الصحراء أن هذا التحرك يسعى إلى تعطيل الزخم الدولي المتنامي الداعم للمقاربة المغربية، والذي تعزز، وفقه، بقرار مجلس الأمن رقم 2797 واتساع دائرة الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي.

واعتبر أن هذه المبادرات “تحاول إعادة النزاع إلى مربع التوتر السياسي، متجاهلة التحولات التي شهدها الموقف الدولي إزاء القضية”.

وذكر الكاين أن المقترح يكشف عن “انتقائية واضحة في التعاطي مع ملفات حقوق الإنسان”، من خلال التركيز على قضية اكديم إيزيك مقابل تجاهل ما وصفها بـ “الانتهاكات الجسيمة والموثقة في مخيمات تندوف”، لافتا إلى أن هذا السلوك “يفرغ الخطاب الحقوقي من مضمونه ويحول حقوق الإنسان إلى أداة للضغط السياسي وخدمة أجندات إيديولوجية”.

مقترح غير تشريعي

وعن القيمة القانونية للمبادرة، قال عبد الوهاب الكاين إن المقترح المقدم إلى الكونغرس الإسباني يندرج ضمن فئة “المقترحات غير التشريعية”؛ وهي آلية سياسية لا تترتب عنها أي آثار قانونية ملزمة للحكومة الإسبانية، ولا تنشئ التزاما تنفيذيا.

وأكد كاتب عام تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن تعدد الجهات الموقعة على المقترح يعكس حالة التشرذم التي يعيشها اليسار الراديكالي أكثر مما يعكس وجود توافق سياسي داخل مؤسسات الدولة الإسبانية.

وسجل المتحدث سالف الذكر أن هذه المبادرة تمثل، في جوهرها، محاولة من بعض مكونات الائتلاف الحكومي لإبداء الاعتراض على التحول الذي أقدمت عليه حكومة بيدرو سانشيز سنة 2022 بدعم مبادرة الحكم الذاتي.

وفي هذا الصدد، شدد على أنها لا تعبر عن السياسة الخارجية الرسمية لإسبانيا التي تظل من اختصاص السلطة التنفيذية، ولا عن الموقف الذي تؤطره المرجعيات الدولية ذات الصلة.

ولفت الفاعل المدني عينه إلى أن توصيف هذه المبادرة باعتبارها تحولا في موقف الدولة الإسبانية يعد، حسب تعبيره، “مغالطة قانونية”؛ لأن المقترح لا يتجاوز كونه مبادرة حزبية صادرة عن فصيل سياسي، ولا يرقى إلى مستوى تعديل توجهات الدبلوماسية الإسبانية أو مراجعة التزاماتها الرسمية تجاه المغرب.

وبخصوص ملف اكديم إيزيك، أورد الكاين أن المسار القضائي استنفد جميع درجات التقاضي، بعد صدور قرار محكمة النقض سنة 2020، مبرزا أن نقل الملف من القضاء العسكري إلى القضاء المدني جاء في إطار الاستجابة لمعايير المحاكمة العادلة وتعزيز الضمانات القضائية، موردا أن إثارة الملف مجددا في المحافل السياسية “لا تغير من الوضع القانوني للأحكام الصادرة”.

وتابع قائلا: إن الدعوات إلى إقحام آليات الأمم المتحدة في قضية استوفت، مختلف مراحلها القضائية، تمثل “محاولة لإضفاء طابع سياسي على ملف جنائي”، مشيرا إلى أن الوفاء بالالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان “لا ينتقص من حق الدول في ممارسة سيادتها القضائية واستقلال مؤسساتها”.

ونبه المصرح لهسبريس إلى أن التعاطي الانتقائي مع الملفات الحقوقية يضعف مصداقية الخطاب الحقوقي، خاصة عندما يتم تجاهل أوضاع مخيمات تندوف والتركيز حصرا على ملفات مرتبطة بالمغرب.

وأكد أن هذا النهج يحول حقوق الإنسان إلى وسيلة للابتزاز السياسي بدل أن تبقى مرجعية كونية تقوم على الإنصاف وتطبيق المعايير ذاتها على جميع الأطراف.

واسترسل رئيس منظمة “أفريكا ووتش” في القول إن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تقتضي من الفاعلين الإسبان مقاربة ملف الصحراء المغربية باستقلالية وموضوعية، والابتعاد عن السرديات الأحادية أو محاولات توظيف المؤسسات التشريعية لخدمة أجندات انفصالية، لافتا إلى أن الشراكة الإستراتيجية بين الرباط ومدريد بلغت مرحلة متقدمة تستوجب تحصينها من المبادرات الحزبية ذات الخلفيات الإيديولوجية.

وخلص عبد الوهاب الكاين إلى أن احترام حقوق الإنسان يقتضي الالتزام بالحقيقة وتطبيق معايير موحدة على جميع الأطراف دون انتقائية، داعيا إلى عدم توظيف القضايا الحقوقية في الصراعات السياسية والعمل على ترسيخ مقاربة تقوم على العدالة والإنصاف واحترام السيادة بشكل يخدم الاستقرار والسلم في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.

The post ائتلاف "سومار" يوظف ملف "اكديم إيزيك" لاستهداف علاقات المغرب وإسبانيا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress