إشكالية "إسرائيل الكبرى": صراع بين الطموح الأيديولوجي والواقع الاستراتيجي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

محمود الخراط 

 

 

 

في المشهد السياسي المعاصر للشرق الأوسط، يبرز مصطلح "إسرائيل الكبرى" كواحد من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والمخاوف. بالنسبة لليمين القومي والديني المتطرف في إسرائيل، يمثل هذا المصطلح "رسالة تاريخية" وواجبًا توراتيًا يمتد من نهر النيل إلى الفرات. أما بالنسبة للمراقب البراغماتي، فإن هذا الطموح يمثل معضلة وجودية تتجاوز مجرد رسم الخرائط. إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس "هل تريد إسرائيل التوسع"؟ بل "هل تملك إسرائيل المقومات المادية والبشرية والمالية لتحمل كلفة هذا التوسع في القرن الحادي والعشرين". من خلال هذا المقال، سأقوم بتفكيك هذا المشروع عبر قراءة تحليلية تعتمد على الأرقام والوقائع التاريخية، لإثبات أن ما يُروج له كخطة توسعية هو في الحقيقة "تهويل سياسي" يصطدم بصخرة الواقع المرير.

أولاً: المعضلة الديموغرافية وأزمة "العنصر البشري"
لا يمكن لأي قوة في التاريخ أن تحتل أرضاً وتحتفظ بها دون "كتلة بشرية" قادرة على الانتشار والإدارة. وهنا تبرز نقطة الضعف الأولى والقاتلة. تعاني إسرائيل في السنوات الأخيرة، وتحديداً بحلول عام 2025، من نقص حاد ومزمن في القوة البشرية العسكرية. تشير البيانات الصادرة عن شعبة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي إلى عجز يقدر بنحو 10,000 جندي في القوات النظامية والقتالية.

 

هذا العجز ليس مجرد رقم عابر، بل هو نتيجة لشرخ اجتماعي عميق؛ فالمجتمع الإسرائيلي منقسم بين تيار علماني يحمل عبء الخدمة العسكرية والضرائب، وتيار "الحريديم" (الأرثوذكس المتطرفين) الذي ينمو ديموغرافياً بسرعة هائلة لكنه يرفض الانخراط في الجيش لأسباب عقائدية. إن مشروع "إسرائيل الكبرى" يتطلب جيشاً مليونياً قادراً على السيطرة على مدن مأهولة بملايين العرب المعادين، وهو ما لا يتوفر في ظل استنزاف قوات الاحتياط التي أجبرت في عام 2024 على الخدمة لأكثر من 250 يوماً، ما أدى إلى تآكل الإنتاجية وانهيار التوازن النفسي والاجتماعي داخل "دولة الاحتلال".

ثانياً: الاقتصاد كقيد استراتيجي (لغة الأرقام لا تكذب)
في عالم اليوم، القوة العسكرية هي "وظيفة" للاقتصاد. وبمراجعة الميزانية العامة الإسرائيلية لعام 2024 والتقديرات الأولية لعام 2025، نجد أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يعد قادراً على تمويل مغامرات توسعية طويلة الأمد. لقد قفز العجز المالي إلى 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وتجاوزت التكاليف المباشرة للحروب المستمرة 60 مليار دولار.
إن أي توسع جغرافي يعني بالضرورة تحمل أعباء إدارة مدنية وبنية تحتية لمناطق محتلة. هل تستطيع إسرائيل التي تعاني من تراجع في تدفق الاستثمارات الأجنبية بنسبة 30% أن تتحمل فاتورة إطعام وتأمين الملايين في مناطق التوسع المزعومة؟ الإجابة تكمن في تصنيفات وكالات الائتمان الدولية مثل "موديز" و"S&P"  التي خفضت تصنيف إسرائيل الائتماني، محذرة من أن "عدم الاستقرار الجيوسياسي" يهدد البنية المالية للدولة. البراغماتية تقول: "الدولة التي تقترض لتمويل أمنها الحالي، لا تملك ترف احتلال أراضٍ جديدة.

ثالثاً: فخ الاستنزاف والذاكرة المريرة لوحل لبنان
لا يزال "وحل لبنان" (2000-1982) يمثل الجرح الغائر في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. احتلت إسرائيل جنوب لبنان لمدة 18 عاماً تحت ذريعة "تأمين الشمال"، لكن النتيجة كانت مقتل 1200 جندي وانهيار الروح المعنوية وتحول المنطقة إلى مصيدة يومية للكمائن والعبوات الناسفة. لقد أثبتت تلك الحقبة أن "التفوق الجوي". لا يحسم معركة ضد مقاومة شعبية تقاتل في أرضها.
اليوم، تبدو الحسابات أكثر تعقيداً؛ فالتوسع نحو لبنان أو سوريا يعني مواجهة صواريخ دقيقة، مسيرات انقضاضية، وشبكات أنفاق تجعل من وجود الجندي الإسرائيلي على الأرض "هدفاً ثابتاً". العقيدة العسكرية الإسرائيلية انتقلت من "احتلال الأرض" إلى "إنهاك العدو عن بُعد"، لأن القيادة العسكرية تدرك أن المجتمع الإسرائيلي الذي اعتاد الرفاهية والارتباط بالاقتصاد العالمي لم يعد يمتلك "ثقافة التضحية" المطلوبة لخوض حرب احتلالية مدمرة تستمر لسنوات.

رابعاً: التحول نحو "الهيمنة الناعمة" (إسرائيل العظمى بدلاً من الكبرى)
هنا نصل إلى جوهر الرؤية البراغماتية. إسرائيل تدرك أن "الجغرافيا" عبء، بينما "الهيمنة" ربح. لقد استبدلت إسرائيل حلم "من النيل إلى الفرات" الجغرافي بمشروع "الهيمنة السيبرانية والاقتصادية". يشكل قطاع التكنولوجيا (الهايتك) 18% من ناتجها المحلي و50% من صادراتها.
الهدف الإسرائيلي الحقيقي هو تحويل دول المنطقة إلى كيانات "تابعة تكنولوجياً"؛ عبر تصدير أنظمة المراقبة (مثل بيغاسوس)، تكنولوجيا المياه، والذكاء الاصطناعي الأمني. إن السيطرة على "البيانات". ومصادرة القرار السياسي عبر الضغط الاقتصادي والارتباط الأمني يحقق لإسرائيل أهداف "إسرائيل الكبرى" بصفر تكلفة بشرية. هذا هو "الاستعمار الحديث" الذي لا يحتاج إلى دبابات، بل إلى مهندسي برمجيات واتفاقيات تطبيع تضمن التبعية.
خامساً: واقع "الدولة القلعة" والتوازنات الإقليمية
إن أكبر دليل مادي ينقض نظرية التوسع هو "الجدران". من ينوي بناء إمبراطورية لا يحيط نفسه بجدران إسمنتية بارتفاع 9 أمتار وأسلاك شائكة وأنظمة ليزرية (مثل آيرون بيم). إسرائيل اليوم تعيش حالة "انكماش دفاعي"؛ هي تحاول حماية حدودها الحالية أمام تنامي قوة الجيوش الإقليمية مثل مصر والسعودية، اللتين تمتلكان موازنات دفاعية مجتمعة تتجاوز 80 مليار دولار.
إن وجود دول ذات سيادة وجيوش نظامية حديثة، مدعومة بتوازنات دولية جديدة وظهور أقطاب مثل الصين وروسيا، يجعل من أي محاولة إسرائيلية لخرق الخرائط الجغرافية "عملاً انتحارياً" سيواجه برفض دولي وعزلة شاملة قد تنهي وجود الدولة نفسها.

في الختام، يجب أن نفرق بدقة بين "الخطاب السياسي" الذي يطلقه الوزراء المتطرفون لإرضاء قواعدهم الانتخابية، وبين "القدرة الاستراتيجية" للدولة. مشروع "إسرائيل الكبرى" جغرافياً هو "ديناصور أيديولوجي" لا مكان له في اقتصاديات القرن الحادي والعشرين ولا في توازنات القوى العسكرية الحديثة.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا ليس في مراقبة الخرائط الورقية التي يرفعها السياسيون، بل في مواجهة مشروع "الهيمنة التكنولوجية والسياسية" الذي يسعى لمصادرة قرار المنطقة وسيادتها عبر أدوات القوة الناعمة. إسرائيل اليوم أضعف من أن تحتل مدينة عربية واحدة وتستقر فيها، لكنها تطمح لأن تكون "العقل المدبر" الذي يتحكم في المنطقة عن بُعد. ومن هنا، فإن الرد الحقيقي يجب أن يكون براغماتياً أيضاً؛ عبر بناء القوة الذاتية، وتحقيق الاستقلال التكنولوجي، وفهم أن المعركة القادمة هي معركة "عقول وميزانيات" وليست معركة "حدود ومساحات".


         
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية