حين تصير العصبية معياراً والحماقة داءً عمومياً!
لا تنهار المجتمعات حين يكثر الأشرار وحسب، بل يبدأ الانهيار حين تنغلق المجتمعات والعصبيات على ذاتها، لتصير منطقاً، ويصير الولاء والكراهية معياراً وفضيلة.
في صلب هذه الحاضنة تزدهر الحماقة و"الزعرنة" والفجور، وتصير العصبية ترياقاً يشفي غليل الكراهية، ويشتريها الأفاقون.
فهل نعجب أن يصعد النرجسيون ويتصدر الزعران، بل يصبح تقديس "الأزعر"، أيقونة هياج جماعي لقطيع مهووس؟
نفهم العصبية الدفاعية، العصبية المنفتحة، غير العنصرية، كضرورة لبناء أي جماعة بشرية. ومن كرة القدم إلى جحافل الجيوش تحتاج الجماعات إلى التضامن واللحمة كي تبني تجربتها وتخوض منافستها.
لكن من اللحظة التي تصبح فيها العصبية أداة لانغلاق الفكر والعنصرية وشيطنة الآخر المغاير، يتعزز خبل العقل النقدي، ويستبطن التفوق عضوياً أو لاهوتياً تأسيساً لحق علوي، يحاول إنتاج منظومة أخلاقية معيارية تؤسس للتعصب والعنف.
عندئذ لا يصبح السؤال: ما هي الحقيقة؟ بل: من قالها؟ ولا يوزن الرأي ببرهانه، بل بهوية صاحبه. فمن كان منا كان معذوراً، ومن كان من غيرنا فمصيره الإلغاء والقمع.
خطوة بعد أخرى تنسحب الحقيقة، وتتقدم العصبية خطوتين.
في هذه الفقاعة، تنتج الجماعات المغلقة لغتها وأبطالها، وأعداءها، وتاريخها المبتذل وزعماءها الحمقى. يكافئ الذليل، ويحارب الفكر، ليصبح السؤال قرينة شبهةٍ في الولاء، بل مؤامرة أو خيانة أو سمٌّ مدسوس. ولا تعود السياسة ليس فن الممكن، بل طريق نحو الحروب والخلاص المقدس. لتصعد النفوس الحاقدة، والألسنة القاطعة، واليقين المبتسر. ليصعد الزعران الواثقون على أكتاف الحمقى و"البسطاء".
لا تربك زعامات الزعران جماهيرها بالأسئلة، بل تغرقها بالمسلمات واليقينيات، ولا يفسدون نشوج الجموع بالأسئلة المزعجة، ولا يفتحون نوافذ لهواء جديد. يريدونهم أن يصدقوا، ويرتلوا، ليزيد خبلهم خبلاً وغضبهم غضباً!
بذلك تصبح الحماقة أكثر جاذبية، إذ لا تنتصر لأنها أكثر عمقاً، بل لأنها أبسط وأكثر تسطحاً. وتختزل العالم إلى معسكرين، والتاريخ إلى جرح، والسياسة إلى معركة نهائية، والإنسان إلى بطاقة هوية.
مثل راحة الحشيش والمخدرات، تصبح الحماقة و"الزعرنة" إدماناً يمنح الجماعة راحة نادرة: لا حاجة إلى التفكير المعقد، ما دامت الأجوبة جاهزة، والشبهات محسومة، والخصوم معروفون.