إسرائيل تقلّل من جنازة خامنئي: استعراض قوة لترميم شرعية النظام

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في الوقت الذي قدّمت إيران فيه مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بوصفها لحظة وطنية جامعة، قرأتها وسائل الإعلام الإسرائيلية من زاوية مختلفة تماماً، معتبرة أنها أول اختبار سياسي للنظام بعد اغتيال الرجل الذي حكم الجمهورية الإسلامية منذ عام 1989. وبدلاً من التركيز على الطابع الجنائزي للمراسم، انشغلت الصحف والقنوات الإسرائيلية بما وصفته بمحاولة إظهار تماسك مؤسسات الدولة، وإعادة ترميم شرعية النظام، وتوجيه رسائل إلى الداخل والخارج بأن إيران لا تزال قادرة على فرض حضورها رغم الضربات التي تلقتها خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

استعراض للقوة أكثر منه جنازة

 

وأجمعت الأغلبية من وسائل الإعلام الإسرائيلية على أن النظام الإيراني سعى إلى توظيف مراسم التشييع سياسياً، أكثر من كونها مناسبة لتوديع المرشد الراحل.

ورأت صحيفة "معاريف" أن السلطات الإيرانية تحاول تحويل الحدث إلى "استعراض للقوة في لحظة حساسة تمر بها الجمهورية الإسلامية"، مشيرة إلى دعوة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الإيرانيين إلى المشاركة بكثافة في مراسم التشييع، باعتبارها "رداً على اغتيال خامنئي".

ولفتت الصحيفة إلى الإجراءات الأمنية والتنظيمية الواسعة التي رافقت المراسم، من إعلان عطلات رسمية في طهران وقم ومشهد، وإغلاق المؤسسات العامة والخاصة، وفرض قيود مرورية واسعة، إضافة إلى إغلاق المجال الجوي فوق العاصمة، معتبرة أن هذه التدابير "تعكس أهمية الحدث بالنسبة إلى النظام".

وفي الاتجاه نفسه، رأى المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس" تسفي باريئيل أن مراسم التشييع لا تقتصر على وداع المرشد الراحل، بل تمثل "محاولة لإعادة بناء شرعية النظام وإظهار تماسكه بعد أشهر من الحرب والخسائر التي تعرض لها". واعتبر أن "القيادة الإيرانية تسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن مقتل خامنئي لم يغير بنية النظام ولا قدرته على الاستمرار".

كذلك، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية مقتطفات من مقال للكاتب الإيراني علي رضا، نشره موقع "رويداد 24" المقرب من النظام، تحدث فيه عن أن الموت في السياسة لا يمثل نهاية، بل بداية مرحلة جديدة وصراعاً على الذاكرة والشرعية، معتبرة أن هذا الخطاب "ينسجم مع محاولة طهران إعادة صياغة صورة النظام بعد اغتيال خامنئي".

 

مشيعون يرفعون لافتة تدعو إلى الثأر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران. (أ ف ب)

 

أين مجتبى؟

 

ومن أكثر الملفات التي استحوذت على اهتمام الإعلام الإسرائيلي غياب المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي عن مراسم التشييع.

وقالت صحيفة "إسرائيل اليوم" إن مئات آلاف الإيرانيين احتشدوا في شوارع طهران، بينما شارك أبناء خامنئي مصطفى وميثم ومسعود في المراسم، في حين غاب مجتبى عن المشهد.

وادعت الصحيفة أن مجتبى خامنئي، الذي أصيب في الغارة التي قُتل فيها والده، "لا يزال مختبئاً خشية تعرضه لهجوم أميركي أو إسرائيلي جديد".

وفي موازاة ذلك، اعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية أن غياب مجتبى "أفسح المجال أمام موجة من التكهنات بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية داخل النظام، وآلية إدارة السلطة بعد اغتيال خامنئي".

 

رسائل إلى واشنطن وتل أبيب

 

تناولت القراءة الإسرائيلية الرسائل التي حملتها المراسم، ولا سيما الشعارات المرفوعة ضد أميركا وإسرائيل.

ورأت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن مراسم التشييع تحولت سريعاً إلى "منصة لتجديد الخطاب المعادي لواشنطن وتل أبيب"، بعدما ردد المشاركون هتافات من بينها "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل"، ورفعوا لافتات وملصقات تضمنت دعوات إلى اغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وأضافت الصحيفة أن بعض المشاركين تساءلوا عبر اللافتات عن سبب بقاء ترامب على قيد الحياة، معتبرة أن هذه الشعارات "تعكس تصاعد الخطاب التعبوي داخل إيران بعد اغتيال خامنئي".

وتحدثت "يديعوت أحرونوت" عن تحرّك أميركي للحد من المشاركة الرسمية الأجنبية في مراسم التشييع، كاشفة أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو "وجه تعميماً سرياً إلى السفارات الأميركية يطلب فيه إبلاغ الحكومات بأن المشاركة في الجنازة قد تترك آثاراً سلبية على علاقاتها المستقبلية مع واشنطن".

 

الحلفاء في الواجهة

 

في قراءتها للمراسم، ركّزت "القناة 13" الإسرائيلية على الوفود الأجنبية التي شاركت في تقديم العزاء، معتبرة أن حضورها يعكس حرص طهران على إظهار تماسك شبكة حلفائها الإقليميين رغم الضربات التي تعرض لها ما يعرف بـ"محور المقاومة".

وأشارت القناة إلى مشاركة وفد من حركة "حماس"، إلى جانب وفد من الحوثيين في اليمن، كما نقلت ما أعلنته الخارجية الإيرانية عن لقاء الوزير عباس عراقجي وفد "حماس"، وتأكيده استمرار دعم طهران للقضية الفلسطينية.

ولفتت أيضاً إلى لقاء عراقجي وفداً من "حزب الله"، وقوله إن "مقاومة حزب الله الشجاعة مصدر فخر للبنان والعالم الإسلامي"، وإن إيران "تواصل العمل من أجل إنهاء الحرب في لبنان وإنهاء الاحتلال".

وأضافت القناة أن كثيراً من المشاركين الذين تحدثوا إلى وسائل الإعلام الإيرانية وصفوا حضورهم بأنه "تعبير عن الوفاء لخامنئي والتمسك بمبادئ الثورة الإسلامية"، فيما قال بعضهم إنهم قطعوا مئات الكيلومترات للمشاركة في مراسم التشييع.

 

كيف ترى إسرائيل اليوم التالي لخامنئي؟

رأى المحلل السياسي في "هآرتس" تسفي باريئيل أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم مراسم التشييع، إنما في إدارة المرحلة التي تليها، بعدما ارتبطت مؤسسات الجمهورية الإسلامية طوال أكثر من ثلاثة عقود بشخص خامنئي ودوره في ضبط توازنات النظام.

واعتبر أن خامنئي نجح، إلى جانب ترسيخ مبدأ "ولاية الفقيه"، في إدارة التنافس بين مراكز القوى، والحفاظ على توازن دقيق بين المؤسسات السياسية والعسكرية والدينية، وهو ما يجعل غيابه "اختباراً غير مسبوق للقيادة الجديدة".

وأضاف باريئيل أن المشروع الذي عمل خامنئي على ترسيخه، والقائم على تحويل إيران إلى قوة إقليمية ذات نفوذ واسع، سيبقى حاضراً في سياسات القيادة الجديدة، إلا أن نجاحها في المحافظة على هذا الإرث "سيعتمد على قدرتها على احتواء التحديات الداخلية وإدارة علاقاتها الخارجية".

ورأى أيضاً أن "طهران ستواصل، على الأرجح، انتهاج سياسة التفاوض مع الولايات المتحدة عندما تقتضي الضرورة، ولكن من موقع يسعى إلى انتزاع اعتراف بمكانة إيران الإقليمية"، وهو النهج الذي اعتبره امتداداً للسياسات التي أرساها خامنئي طوال سنوات حكمه.

وبين الحشود والرسائل السياسية، تعامل الإعلام الإسرائيلي مع مراسم التشييع باعتبارها افتتاحاً لمرحلة جديدة في إيران، عنوانها اختبار قدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على تماسك النظام وإعادة ترميم شرعيته، بالتوازي مع إدارة المواجهة السياسية والأمنية مع خصومها في الخارج.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية