إذا فسدت لغة الأمهات... فمن يُصلح الأجيال؟ حين تربي الشتيمة جيلاً...
زينب سعد
ليست المشكلة في أن يختلف الناس في مختلف المواضيع، فالاختلاف سنّة من سُنن الحياة ما بقي الإنسان، بل المشكلة هي في الطريقة التي يدار بها هذا الاختلاف.
حين تتحول الكلمة إلى أداة للإهانة والتجريح، فإن الخسارة تكون للمجتمع كله. وتزداد مرارة المشهد عندما تصدر هذه اللغة عن المرأة، التي يفترض أن يرتبط حضورها بالقيم والتربية والتهذيب وصناعة الأجيال.
لم تعد تدهشني أنواع الشتائم ولا كمياتها ، فقد امتلأت منذ سنوات وسائل التواصل بالإساءات والإهانات. وقد اعتدت بعد انتشار أي فيديو لي أن أصرف نظري بمضض عنها كي لا ألوثه. فالشتيمة باتت أسهل من النقاش، وهكذا تحوّل الاختلاف إلى طريق للإهانات.
لكن ما استوقفني هذ المرة قضية أكبر من الشّتائم، مِمن أتت هذه الشّتائم وعلى لسان من؟
نساء!! لقد كان معظمها من النساء!
مررت بطرف إصبعي على الأسماء كالمّارّ في حقل ألغام: جمانة، زينب، رباب، ملاك، نجوى،... تابعت لأتوقف عند إسم عايدة. أثارني حسابها، فدخلت أتصفحه لأجدها إمرأة جنوبية بوجه جميل، إمتلأت صفحتها بالعلم اللّبناني. صمتت، وخرجت من صفحتها. قلت في نفسي والألم يعتصرني، بماذا خالفت هذه السيدة، وكل ما ذكرته في الفيديو ما هو إلا تأكيد انتمائي للبنانيتي لوطني وأرضي وعلمي الذي ترفعه في صفحتها!
كيف لها ولغيرها من النساء أن تهاجم إمرأة أخرى؟
هنّ لا يناقشن رأيّا ولا يفندن فكرة ولا يقدمن نقداً سياسياً أو اجتماعياً، بل يستخدمن أبشع العبارات وأشدها ابتذالاً وقسوة.
كيف ذلك ونحن النساء نعتبر رمزاً للّطف وعنوانا للتهذيب، وكلّ كلمة تخرج منّا لها وزنها؟!
كيف ومتى وصلنا إلى مرحلة باتت فيها المرأة قادرة على إطلاق هذا الكم من الابتذال أمام مرأى العالم بأسره خلف الشاشة، ودون أي تردد؟!
الاختلاف بالرأي حقّ، بل هو ثروة تغني الموضوع. أمّا السقوط الأخلاقي، فكارثة كبرى.
توقفت مرّة أخرى أمام هذه اللغة، وتساءلت إن كانت هذه لغة العلن بلا خجل ولا أي حسابات، فكيف تكون لغة الخفاء؟! إن كانت هذه المفردات والتعابير تستخدم أمام الملأ، فما الذي يسمعه الأبناء في البيوت وخلف جدران الشاشات؟
أيّ ثقافة تزرعها تلك النساء في الجيل الجديد؟ كيف استطعن استخدام الشتيمة والإهانة وسيلة للتّعبير بديلا ًعن الحجة؟ تساؤلاتي ليست لمهاجمتهن.
بل هي إيمان مني أنّ المرأة هي المدرسة الأولى، وصانعة وجدان الطفل، ومعلمته الأولى، وطبيبته، وغارسة الاحترام وناشرة الحبّ وسيدة اللطف ومقوّمة السلوك. المرأة هي البنّاءة الأولى للأدب والقيم والأخلاق. واذا كانت مفردات الأمهات مشبعة بالكراهية والحقد والبهتان، فحتما سيخرّجن إلى المجتمع أجيالاً لا تعرف كيف تختلف مع الآخرين باحترام، بل ترى في السخرية والشتيمة والازدراء لغة طبيعية للحياة. وأخطر ما يتركه ذلك ليس ما ينال الآخرين، بل الإنسان الجديد الذي يصنع في البيوت.
أتعجب كيف يبنى المجتمع بالكراهية؟ وكيف تربى الأجيال بالشتيمة؟ وكيف نربح موقفاً سياسياً حين نخسر أخلاقنا وإنسانيتنا!
مهما أختلفنا في انتماءاتنا السياسية يبقى السؤال الذي يستحق أن يقرع أبواب قلوبنا ونطرحه على أنفسنا جميعًا: أي مجتمع نبنيه وقد باتت الكلمة الجارحة لغتنا اليوميّة؟ وأكبر خوفي هو أن نصل إلى مرحلة نعتاد فيها الكلمة الجارحة حتى لا يعود أحد يشعر بوجعها. يومها لن تكون إمراة قد جرحت إمرأة، بل سيكون المجتمع كله قد جرح نفسه.
إن الدفاع عن الرأي لا ينبغي أن يكون على حساب الأخلاق والقيم، والانتصار لأي موقف لا يبرر السقوط في وحول الإساءة والهتك. فالمجتمع الذي يحفظ لغته ويحترم إنسانية المختلف معه، هو فقط القادر على بناء مستقبل أكثر رقياً وتماسكاً.