إجبار طفل على شرب الكحول يثير الغضب.. وعقوبات تلاحق المتورطين
أكد أخصائيون في القانون الجنائي أن “الشريط المتداول، الذي يوثق إجبار طفل على شرب مادة كحولية، يخالف بوضوح المقتضيات القانونية والأخلاقية المرتبطة بحماية الأطفال من كل أشكال العنف أو الاستغلال أو الإهمال”، موضحين أن “انتشار الفيديو على نطاق واسع أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود المسؤولية الجنائية للأشخاص المتورطين في مثل هذه الوقائع، سواء تعلق الأمر بالفعل الأصلي أو بتصويره وترويجه عبر المنصات الرقمية”.
ودعا المتحدثون لهسبريس النيابة العامة إلى “التدخل بسرعة من أجل تقديم المعطيات الكافية للرأي العام وفتح تحقيق شامل لتحديد ظروف وملابسات الواقعة، وترتيب المسؤوليات القانونية في حق كل من يثبت تورطه في تعريض الطفل للخطر أو الإساءة إليه”، مؤكدين أن “حماية القاصرين تقتضي تفاعلا حازما مع مثل هذه الأفعال التي تثير قلقا مجتمعيا واسعا وتطرح تساؤلات مرتبطة بسلامة الأطفال داخل بعض الأوساط الهشة”.
مقتضيات جنائية
رجح المختار أعمرة، أستاذ القانون الجنائي وعلم الإجرام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسلا، أن يكون أحد الأشخاص الموجودين في الشريط المنتشر ذا علاقة قرابة بالطفل، لافتا إلى أنه “قد يكون عمه أو خاله أو أحد أقاربه المقربين”، مبرزا أنّ من يخاطب الولد ويقول: “اشرب” يبدو أنه يمتلك سلطة معنوية أو اجتماعية أو عائلية عليه، أي أن ثمة علاقة قرابة وثيقة بين أحد الحاضرين والطفل.
وذكر أعمرة، في تصريح لهسبريس، أن “وجود الطفل في هذا الوسط لا يبدو صدفة؛ بل يوحي بأنه كان ضمن سياق اجتماعي مألوف بالنسبة له، وليس دخيلا عليه”.
ورجح المتحدث عينه أنه “ليس من المحتمل أن يكون الطفل قد أُدخل إلى هذا المكان بشكل عارض أو عشوائي؛ بل يبدو أن الأمر متكرر أو متوقع ضمن محيطه”. كما أن طبيعة البيئة التي تعد بمثابة مسرح الجريمة تبدو عليها مؤشرات واضحة على الفقر وضعف المستوى الثقافي.
وفكك الأستاذ الجامعي جميع الحيثيات المرتبطة بالشريط؛ بما في ذلك طريقة الجلوس، وطريقة احتساء المشروب الكحولي، والموسيقى المرافقة.
وحذر من أن يُقلَّد هذا النوع من السلوك في فضاءات أخرى بعدما انتشر الشريط بشكل واسع، مما يؤدي إلى ترسيخه، داعيا إلى تسطير عقوبات صارمة ورادعة؛ لأن العقوبات الخفيفة قد لا تمنع تكرار مثل هذه الأفعال، لكون اللقطة المصورة كانت توضح نوعا من الاستمتاع بإيذاء الطفل أو الضغط عليه، وهو أمر خطير للغاية.
واستند المختص في قانون العقوبات المغربي إلى الفصل 408 الذي يعاقب بالحبس من سنة إلى 3 سنوات كل من جرح أو ضرب عمدا طفلا دون 15 من عمره، أو تعمد حرمانه من التغذية أو العناية حرمانا يضر بصحته، أو ارتكب عمدا ضد هذا الطفل أي نوع آخر من العنف أو الإيذاء.
وأضاف المصرح عينه أن الفصل 411 يحيل إلى أنه إذا كان مرتكب الجريمة أحد أصول الطفل المجني عليه، أو شخصا له سلطة عليه أو مكلفا برعايته، فعقوبته في الحالات المشار إليها في الفصل 408 هي الحبس من سنتين إلى خمس سنوات.
وأشار إلى اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب، والتي يفترض أن توفر حماية أكبر للطفل في مثل هذه الحالات، مؤكدا أن المادة 411 تتضمن ظروف التشديد؛ ولكن في هذه الحالة، لا يبدو أن الفاعل من الأصول المباشرة، بل قد يكون من الأقارب مثل العم أو الخال أو غيرهما؛ مما قد يجعل هذا الظرف غير منطبق، منبها إلى وجود جانب آخر بالغ الخطورة، وهو “الاستغلال والتشهير”.
وذكر أعمرة أنه “تم استغلال هذا الطفل والتشهير به؛ مما سيؤدي إلى تبعات اجتماعية خطيرة. سيصبح عرضة للسخرية والتنمر داخل محيطه الاجتماعي، سواء في الدوار أو المنطقة التي يعيش فيها، بكل ما يحمله ذلك من ضرر معنوي”.
وحمّل مروجي الشريط “مسؤولية ما قد يترتب عنه من وصم اجتماعي سوف يرافق الصغير مدى الحياة، خصوصا مع انتشار الفيديو على نطاق واسع وبلوغه ملايين المشاهدات، وكلها وقائع تقتضي تشديد العقوبة إلى أقصى ما يمكن لتحقيق الردع”.
وقائع خطيرة
محمد ألمو، محام بهيئة الرباط، قال إن واقعة إجبار طفل على تناول مادة يُشتبه في كونها مسكرة، كما ظهر في الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، تُثير مسؤولية جنائية وأخلاقية خطيرة؛ بالنظر إلى ما قد يترتب عنها من أضرار جسدية ونفسية تمس سلامة الطفل وكرامته وحقه في الحماية القانونية المكفولة بموجب التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الطفل.
وأضاف ألمو، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن المشرّع المغربي تعامل بصرامة مع كل الأفعال التي من شأنها تعريض الأطفال للخطر أو الإضرار بصحتهم وسلامتهم.
وفي هذا الصدد، أشار المحامي بهيئة الرباط إلى أن الفصل 482 من القانون الجنائي المغربي يُجرّم كل سلوك يصدر عن أحد الأبوين أو أي شخص له سلطة أو إشراف على الطفل، إذا ترتب عنه ضرر بدني أو معنوي بسبب سوء المعاملة أو الإهمال أو إعطاء القدوة السيئة أو التقصير في الرعاية والتوجيه.
وأوضح المتحدث ذاته أن الأفعال الظاهرة في الفيديو يمكن أن تُكيّف قانونيا ضمن خانة سوء المعاملة وتعريض قاصر للخطر، خصوصا إذا ثبت أن الطفل أُجبر أو تم تحريضه على استهلاك مادة مضرة أو مسكرة؛ لما في ذلك من تهديد مباشر لصحته الجسدية والنفسية، معتبرا أن النيابة العامة تبقى الجهة المختصة لتقدير التكييف الجنائي النهائي بناء على نتائج البحث والخبرة الطبية والاستماع إلى جميع الأطراف.
وأشار إلى أن الفصل 398 من القانون الجنائي المغربي ينص على معاقبة كل من اعتدى عمدا على حياة شخص بواسطة مواد يمكن أن تسبب الموت عاجلا أو آجلا؛ وهو ما يعكس تشدد القانون مع الأفعال المرتبطة بالمواد الضارة أو السامة، حتى وإن اختلفت ظروف وملابسات كل قضية على حدة، مؤكدا أن حماية القاصرين تظل من أولويات السياسة الجنائية بالمغرب.
وأبرز الخبير في القانون الجنائي المغربي أن تصوير الطفل في وضعية مهينة ونشر الفيديو على نطاق واسع قد يفتح أيضا نقاشا قانونيا مرتبطا بانتهاك خصوصية القاصر والإضرار بسلامته المعنوية، خاصة عندما يتحول محتوى يمس طفلا إلى مادة للتشهير أو الإثارة الرقمية؛ وهو ما قد يفاقم من حجم الضرر النفسي والاجتماعي الذي يلحق بالضحية، موردا أن “استمرار هذا الشريط في الوسط الرقمي يتعارض مع الحق في النسيان وهو ما قد يتحول إلى ضرر مستمر”.
ولفت محمد ألمو إلى أن مثل هذه الوقائع تستوجب تفاعلا قانونيا وتربويا حازما، داعيا إلى تعزيز ثقافة حماية الأطفال وعدم التساهل مع أي سلوك يهدد سلامتهم أو يستغل براءتهم تحت غطاء المزاح أو صناعة المحتوى، مع ضرورة ترتيب المسؤوليات القانونية كلما ثبت وجود أفعال تمس بحقوق القاصرين أو تعرضهم للخطر.
The post إجبار طفل على شرب الكحول يثير الغضب.. وعقوبات تلاحق المتورطين appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.