عمر بروكسي يكتب: حرب الريف.. بعد مئة عام ما يزال إرث عبد الكريم الخطابي حيًّا
بعد قرن من نهاية الحرب التي قادها الشخصية الأيقونية في النضال المناهض للاستعمار في شمال إفريقيا، عبد الكريم الخطابي، الذي ترأس جمهورية الريف الكونفدرالية من 1921 إلى 1926، لا تزال ذاكرة تلك الملحمة حية في المغرب وخارجه.
في 27 ماي 1926، بمدينة تارجيست، البلدة الصغيرة ذات الأهمية الاستراتيجية في قلب منطقة الريف شمال المغرب، تقدم رجل إلى مركز القيادة العسكرية للجيش الفرنسي الذي كان يقوده الكولونيل أندري كوراب (1878-1953).
أعلن الرجل رغبته في “الاستسلام”، بعدما “أطلق سراح آخر الأسرى الأوروبيين”. كان اسمه عبد الكريم الخطابي، زعيم جمهورية الريف الكونفدرالية التي تأسست قبل خمس سنوات، عقب معركة أنوال، التي تمكن خلالها مقاتلوه من سحق أسطول عسكري إسباني كان يُعتقد أنه لا يُقهَر.
وباستسلامه للكولونيل كوراب في 27 ماي 1926، كان عبد الكريم يوقع نهاية دولة وحقبة كاملة، لكن في المقابل، وُلدت أيقونة للنضال المناهض للاستعمار في شمال إفريقيا وخارجها، قبل مئة عام بالتمام.
عبد الكريم الخطابي في القاهرة (مصر)، فبراير 1948.
بدأ كل شيء مطلع يونيو 1921، حين قرر الجنرال سيلفستر، القائد العام لمليلية آنذاك، إقامة موقع عسكري متقدم على مرتفعات نهر أمقران. وكان هدفه إخضاع قبيلة بني ورياغل، معقل عبد الكريم.
بالنسبة للإسبان، كان التحكم في هذا الموقع الاستراتيجي القريب من الحسيمة، أكبر مدن الريف، خطوة حاسمة لتنفيذ الاتفاق الفرنسي الإسباني لسنة 1912، الذي أقر نظامي حماية: إسباني في شمال المغرب، وفرنسي في بقية البلاد.
اعتبر عبد الكريم هذه الخطوة استفزازاً وتهديداً حقيقياً في الآن ذاته. فقرر تعبئة القبائل المجاورة ودمجها في جيشه حديث التأسيس، لكنه كان مدرباً بشكل جيد. أما المعركة الحاسمة، التي ستتحول لاحقاً إلى الملحمة الأسطورية لأنوال، ورمز الكفاح المسلح المناهض للاستعمار في بعده الرومانسي، فقد جرت بين 22 يوليوز و9 غشت 1921.
بعد معركة أنوال.. تداعيات سياسية عميقة
بدأ الزعيم الريفي أولاً بالسيطرة على معسكر إغريبن الاستراتيجي، ما أتاح له لاحقاً فرض حصار تدريجي على أنوال، حيث كانت القوات الإسبانية متمركزة. ومع اشتداد الطوق الريفي، قرر سيلفستر يوم 22 يوليوز سحب قواته.
لكن ما كان يفترض أن يكون انسحاباً تكتيكياً لإعادة التموضع، تحول سريعاً إلى انهيار كامل، حيث ترك الجنود الإسبان أسلحتهم وذخيرتهم وراءهم. وبالنسبة للمقاتلين الريفيين المتمركزين في “المضيق”، كان الأمر أشبه بـ”صيد البط”.
وبعد انتحار سيلفستر يوم 22 يوليوز، تولى نافارو قيادة الجيش الإسباني، الذي استسلم في 8 غشت بعد يوم دامٍ للغاية. وكانت الحصيلة بين 12 ألفاً و15 ألف قتيل من أصل 25 ألف جندي، إضافة إلى 5 آلاف أسير.
خلفت معركة أنوال تداعيات سياسية عميقة، سواء في المغرب أو في إسبانيا، حيث زعزعت الهزيمة إمبراطورية كانت تعاني أصلاً من فقدان مستعمرتي كوبا والفلبين سنة 1898. وبعد أيام من الانتصار، أعلن عبد الكريم، في 18 شتنبر 1921، قيام جمهورية الريف.
ويقول المؤرخ المغربي معطي منجب: “لقد أخذت تداعيات أنوال أبعاداً أعمق. فقد أضعفت الهزيمة عرش الملك ألفونسو الثالث عشر، ومهدت لانقلاب الجنرال بريمو دي ريفيرا سنة 1923”.
وسرعان ما نُظر إلى الزعيم الريفي باعتباره رجل سياسة كاريزماتياً، قادراً على تعبئة القبائل في مجالات تتجاوز بكثير حدود الجمهورية الصغيرة التي أسسها، والتي عين لها حكومة وأنشأ لها جيشاً.
وانخرط فوراً في مسار مؤسساتي وتحديثي لـ”دولته”، فأنشأ برلماناً وأصدر عملة خاصة سميت “الريفان”. كما أرسل مبعوثين إلى باريس ولندن وعصبة الأمم، السلف التاريخي لمنظمة الأمم المتحدة الحالية، من أجل فتح جمهوريته على المجتمع الدولي.
غير أن عصبة الأمم، التي كانت تهيمن عليها القوى الاستعمارية، لم تعترف بجمهورية الريف، بما في ذلك تركيا أتاتورك، التي كان عبد الكريم يثني كثيراً على تجربتها.
ليوطي.. مهندس السياسة الاستعمارية
في الضفة الأخرى من المتوسط، كان رجل في فرنسا يتابع عن بعد ما يجري في المنطقة. لم يكن ينظر بعين الرضا إلى صعود هذا “المتمرد” الطموح والمنهجي، الذي جعلت منه قامته وأفعاله رجل دولة بارعاً: هوبر ليوطي، مهندس السياسة الاستعمارية في المغرب.
ورغم أن عبد الكريم لم يسيطر على مليلية، التي كانت في متناول يده، فإن طموحه الترابي لم يتوقف عند الحدود التقليدية للريف.
ويقول معطي منجب: “قال ليوطي ذات يوم أمام ضباطه: ‘عبد الكريم خطير لأنه حديث ومحاط برجال حديثين’. والمفارقة أن من يدافع عن الاستعمار باسم الحداثة و’الرسالة الحضارية’ يريد محاربة رجل يعتبره شديد الحداثة. إنه قلب للمعادلة”.
كان عبد الكريم نتاج تكوين أكاديمي مزدوج: باكالوريا إسبانية حصل عليها في مليلية، وشهادة في القانون الإسباني من سالامانكا في قشتالة وليون، إلى جانب دراسات إسلامية بجامعة القرويين الشهيرة في فاس، العاصمة الروحية للمغرب. وفي سن الرابعة والعشرين، جندته صحيفة “إل تيليغراما ديل ريف” الصادرة بمليلية لإدارة نسختها العربية. كما اشتبهت فيه السلطات الفرنسية سنة 1915 باعتباره مخبراً لصالح الرايخ الألماني.
وباعتباره ملكياً شديد الحرص على بقاء الملكية المغربية، دفع ليوطي بالجيش الفرنسي إلى المنطقة ابتداءً من سنة 1924، لكن دون نتائج حاسمة. وبعد ثلاث سنوات من إعلان جمهورية الريف، ظلت التهديدات التي يمثلها عبد الكريم للقوتين الاستعماريتين قائمة.
وفي سنة 1925، تجاوز عبد الكريم “الخط الأحمر” عندما وجه قواته نحو مدينة فاس، معقل السلاطين العلويين داخل المجال الخاضع للاحتلال الفرنسي. فتمت إقالة ليوطي فوراً وتعويضه بفيليب بيتان، الذي كان قد خرج لتوه متوجاً بانتصاره في معركة فردان خلال الحرب العالمية الأولى. وهناك بدأت نهاية الملحمة الريفية.
وبعد رحيل ليوطي من منصبه كمقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب، وتعيين بيتان خلفاً له، أعادت آلة الحرب الفرنسية انتشارها بدعم عشرات آلاف الجنود الذين أُرسلوا من فرنسا، ضمن قوة عسكرية مجهزة بالمدفعية والطائرات.
ويضيف معطي منجب في تصريح لـ”ميديابارت”: “لم يكن عدد المقاتلين الريفيين يتجاوز خمسة آلاف رجل. كما لا ينبغي أن ننسى أن جيش السلطان يوسف (1881-1927) شارك في القتال ضد عبد الكريم إلى جانب الفرنسيين والإسبان”.
ولادة أيقونة للمقاومة
بعد هزيمته أمام التحالف الفرنسي الإسباني، الذي لم تتردد طائراته في استخدام الغازات السامة، خصوصاً غاز الخردل، ضد سكان الريف، سلم عبد الكريم نفسه يوم 27 ماي 1926.
وقال للكولونيل كوراب: “لتجنب مزيد من المجازر”.
وفي السنة نفسها، نفتْه السلطات الاستعمارية إلى جزيرة لارينيون، حيث بقي حتى 1947. وأثناء نقله نحو جنوب فرنسا في العام ذاته، استغل توقف السفينة بمدينة الإسماعيلية المصرية ليفر ويستقر في القاهرة حتى وفاته سنة 1963 عن عمر ناهز 81 عاماً، بعدما شهد استقلال جميع بلدان شمال إفريقيا.
وهكذا، تزامنت نهاية عبد الكريم كقائد دولة ورئيس لجمهورية مع ولادة أيقونة عالمية للمقاومة المناهضة للاستعمار. فقد اعتبره بطل استقلال فيتنام، هو تشي منه، “رائداً” نظّر لنموذج حقيقي لمقاومة الوجود الاستعماري عبر “المانيرا”، وهو المصطلح الذي كان عبد الكريم يستخدمه لوصف تكتيك حرب العصابات القائم على “الضرب والفرار”.
ويقول معطي منجب: “لقد ألهمت المانيرا جميع حركات المقاومة المسلحة المناهضة للاستعمار”.
وخلال أول زيارة له إلى مصر في يناير 1959، طلب الزعيم الأرجنتيني إرنستو تشي غيفارا، الذي كان آنذاك رئيس البنك الوطني الكوبي، لقاء عبد الكريم.
ويؤكد المؤرخ المغربي: “اللقاء جرى فعلاً في السفارة المغربية بالقاهرة، بحضور رئيس الوزراء المغربي آنذاك عبد الله إبراهيم. وهذا أمر لا جدال فيه. وقد قال تشي لعبد الكريم: ‘من الطائرة التي أقلتني إلى القاهرة، استطعت رؤية الريف، ومن الواضح أنها منطقة ملائمة تماماً لحرب العصابات التي قدتها’”.
وفي المغرب، ورغم أن عدداً من الشوارع والثانويات والجادات تحمل اسم عبد الكريم، فإن صوره والإشارات إلى معركته وإلى الرمز الذي أصبحه لا تزال تدخل ضمن المحظورات السياسية.
فعلى سبيل المثال، تكاد معركة أنوال وحرب التحرير الريفية تُمحى من الرواية التاريخية الرسمية، كما أن الحديث عن ميلاد جمهورية الريف ونهايتها، التي يُخلَّد هذا العام مئويتها، يكاد يكون غائباً.
لكن في الريف، ما تزال ملحمة عبد الكريم وكل الرمزية السياسية التي تحيل إليها حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للمنطقة. وخلال حراك 2017، الذي شهدته مدن الريف الكبرى، وعلى رأسها الحسيمة، مركز الاحتجاجات، رفع المتظاهرون أعلام جمهورية الريف وصور عبد الكريم، رغم أن مطالبهم لم تكن ذات طابع انفصالي.
ـ المصدر: موقع “ميديا بارت”