أوروبا وروسيا... المسيّرات ترسم ملامح الحرب المقبلة
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد نزاع إقليمي يدور على حدود أوروبا الشرقية، بل تحولت إلى مختبر عسكري يعيد تشكيل العقيدة الدفاعية الأوروبية ويغير طبيعة الحروب الحديثة.
المواجهات لم تعد تُحسم بالدبابات والطائرات المقاتلة وحسب، بل باتت الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية التشغيل، والصواريخ البعيدة المدى عناصر رئيسية في معادلة الردع والتفوق العسكري. ومن هنا، دخلت أوروبا مرحلة غير مسبوقة من إعادة بناء قدراتها الدفاعية، في سباق مفتوح مع روسيا عنوانه: من يمتلك التكنولوجيا الأسرع والأكثر قدرة على التكيف مع متطلبات الحرب الحديثة.
أدركت العواصم الأوروبية أن استمرار الحرب يعني أن أمن القارة لم يعد يعتمد على دعم أوكرانيا وحسب، بل على بناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على إنتاج كميات كبيرة من الطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية. ولذلك اتجهت المفوضية الأوروبية، إلى جانب ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، إلى زيادة الاستثمارات في إنتاج المسيّرات الهجومية والاستطلاعية، ودعم إنشاء مصانع عسكرية داخل أوكرانيا، بالتوازي مع توسيع برامج صندوق الدفاع الأوروبي لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وأسراب المسيّرات المستقلة. ويعكس هذا التوجه انتقال أوروبا من مرحلة الاستجابة للأزمات إلى مرحلة بناء اقتصاد دفاعي طويل الأمد.
لذا لم تتراجع روسيا عن استراتيجيتها القائمة على الضربات البعيدة المدى والتكامل بين الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانتحارية؛ فقد أظهرت الحرب أن موسكو تعتمد على هجمات مركبة تستهدف إنهاك منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية واستنزاف الصواريخ الاعتراضية الغربية المرتفعة الكلفة، قبل توجيه ضربات دقيقة إلى البنية التحتية ومراكز القيادة. وفي الوقت نفسه، تمكنت أوكرانيا من نقل المعركة إلى العمق الروسي عبر هجمات بالمسيّرات استهدفت منشآت نفطية ولوجستية، وهو ما فرض على موسكو إعادة توزيع منظوماتها الدفاعية لحماية الداخل الروسي.
تكشف هذه التطورات أن مفهوم الردع التقليدي يتغير بصورة متسارعة. فالدول التي تستطيع إنتاج آلاف المسيّرات المنخفضة الكلفة، ودمجها مع الذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة والسيطرة، باتت قادرة على فرض معادلات عسكرية جديدة بكلفة أقل كثيراً من الاعتماد الحصري على المنظومات التقليدية. كما أن الحرب أثبتت أن السيطرة الجوية وحدها لم تعد كافية لتحقيق الحسم، بل إن القدرة على إدارة حرب استنزاف تكنولوجية أصبحت عنصراً حاسماً في أي مواجهة طويلة الأمد.
وتواجه أوروبا تحدياً مزدوجاً يتمثل في حماية بنيتها التحتية الحيوية من عمليات التخريب والهجمات السيبرانية، مع تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي لمواجهة أي توسع محتمل للصراع. لذلك تتجه الدول الأوروبية إلى بناء شبكة دفاعية أكثر تكاملاً، وتوسيع التعاون الصناعي والعسكري داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بهدف تقليص الفجوة في القدرات الدفاعية وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية.
في النهاية، يبدو أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد صراع بين موسكو وكييف، بل أصبحت نقطة تحول في مستقبل الأمن الأوروبي. فالسباق الجاري اليوم لا يتعلق بامتلاك أسلحة أكثر تطوراً وحسب، بل بامتلاك القدرة على الابتكار والإنتاج السريع والتكيف مع بيئة قتالية تتغير باستمرار. ومن المرجح أن يكون الطرف الأكثر قدرة على دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتصنيع العسكري المرن هو الذي سيرسم ملامح ميزان القوى الأوروبي خلال العقد المقبل، وربما يحدد أيضاً شكل النظام الأمني الدولي في مرحلة ما بعد الحرب.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية