أوروبا بين حرب إيران وصدمة الصين: قارة غنية في اختبار اقتصادي قاسٍ
تبدو أوروبا اليوم كأنها تدفع فاتورتين في وقت واحد: فاتورة جيوسياسية مصدرها الشرق الأوسط، حيث تحوّلت حرب إيران واضطراب مضيق هرمز إلى صدمة طاقة جديدة؛ وفاتورة صناعية مصدرها الصين، حيث لم تعد بكين مجرد مصنع منخفض التكلفة، بل منافساً مباشراً في السيارات الكهربائية، البطاريات، المعادن النادرة، الآلات، والسلع الصناعية التي شكّلت لعقود قلب القوة الأوروبية.
الخلاصة الأولى ليست أن أوروبا على حافة الانهيار، فهي ما زالت تملك سوقاً ضخمة، عملة قوية، مؤسسات عميقة، قاعدة صناعية متقدمة، وفوائض تكنولوجية في قطاعات حساسة. لكن الخلاصة الأخطر أن نموذجها الاقتصادي القديم لم يعد يعمل بالسهولة نفسها: طاقة رخيصة من الخارج، صادرات صناعية عالية القيمة، حماية أميركية أمنية، وسوق صينية مفتوحة جزئياً أمام الشركات الأوروبية. كل ركن من هذه الأركان يتعرض اليوم للاهتزاز.
أولاً: حرب إيران أعادت شبح الطاقة إلى قلب الاقتصاد الأوروبي
قبل الحرب في الشرق الأوسط، كان الاقتصاد الأوروبي يحاول الخروج ببطء من صدمة التضخم التي بدأت بعد حرب أوكرانيا. لكن إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز أعاد الخوف القديم: ماذا يحدث لقارة صناعية كبيرة عندما ترتفع الطاقة فجأة؟ وفق المفوضية الأوروبية، أدّى شبه إغلاق المضيق إلى تقليص تدفقات النفط المنقولة بحراً بنحو 15%، وتدفقات الغاز الطبيعي المسال بنحو 20%، فيما ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 50% والنفط الخام بنسبة 65% بين أواخر شباط/فبراير ونهاية نيسان/أبريل 2026.
هذه ليست أرقاماً في أسواق المال فقط. في أوروبا، الطاقة تدخل في كل شيء: تكلفة تشغيل المصانع، تكلفة النقل، أسعار الغذاء، تكلفة التدفئة، أسعار التذاكر، وكلفة الشحن. لذلك خفّضت المفوضية الأوروبية توقعاتها للنمو: من 1.5% عام 2025 إلى 1.1% فقط عام 2026، مع ارتفاع التضخم إلى 3.1%. وحتى في 2027، لا تتوقع بروكسل سوى تعافٍ محدود إلى 1.4%، مع بقاء التضخم عند 2.4%.
الفرق عن أزمة 2022 أن أوروبا لم تعد رهينة الغاز الروسي مثلما كانت. لقد خفّضت اعتمادها على الوقود الأحفوري، ووسّعت الطاقة المتجددة، وصارت أكثر قدرة على امتصاص الصدمة. لكن المشكلة أن الصدمة الجديدة تضرب النفط والغاز المسال والمنتجات المكررة، ما يعني أسواقاً عالمية يصعب عزل أوروبا عنها. والأسوأ أن تكلفة الطاقة لا تبقى في خانة الكهرباء والوقود، بل تنتقل تدريجياً إلى الغذاء والنقل والخدمات والصناعة. المفوضية تتوقع أن تتجاوز ذروة تضخم الطاقة في الاتحاد الأوروبي 11% في الربع الثاني من 2026 وأن تبقى فوق الـ 10% خلال بقية العام.
ثانياً: المواطن الأوروبي يدفع قبل الدولة
اقتصادياً، تبدأ الصدمة من الفاتورة الشهرية. ارتفاع الطاقة يقلّص الدخل الحقيقي للأسر، فيضعف الاستهلاك، وهو أحد أهم محركات النمو الأوروبي. البنك المركزي الأوروبي يقول إن ارتفاع الطاقة وعدم اليقين يضغطان على الطلب الداخلي، وإن ثقة المستهلكين تراجعت منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط، ما يدفع الأسر إلى سلوك أكثر حذراً.
هنا تظهر المفارقة الأوروبية: الحكومات تريد حماية المواطنين من ارتفاع الأسعار، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تكرار تجربة الدعم الواسع الذي يكلّف الموازنات ويغذي التضخم. لذلك تصبح السياسة الاقتصادية محصورة بين خيارين صعبين: دعم الأسر والشركات فتزيد الضغوط على المالية العامة، أو ترك الأسعار تعمل فتتضرّر القدرة الشرائية ويتراجع الاستهلاك.
ثالثاً: الصين… الخطر الأبطأ لكنه الأعمق
إذا كانت حرب إيران صدمة سريعة، فإن الصين تمثل زلزالاً بطيئاً في بنية الاقتصاد الأوروبي. الاتحاد الأوروبي يصف الصين رسمياً بأنها شريك ومنافس وخصم نظامي في الوقت نفسه. لكن لغة الأرقام تكشف أن العلاقة تميل أكثر فأكثر إلى الاختلال. في 2025، بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الصين 359.9 مليار يورو، بعدما صدّرت أوروبا إلى الصين 199.5 مليار يورو فقط، مقابل واردات صينية إلى أوروبا بقيمة 559.5 مليار يورو.
الأخطر أن هذا العجز لم يعد محصوراً في سلع استهلاكية رخيصة. في الربع الأول من 2026 وصل عجز تجارة السلع الأوروبية مع الصين إلى 98 مليار يورو، وهو الأعلى منذ الربع الثالث من 2022. وارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من الصين إلى 145 مليار يورو، بينما تراجعت الصادرات الأوروبية. كذلك، فإن العجز الكبير يتركز في الآلات والمركبات والسلع المصنعة، أي في مناطق كانت تاريخياً من صلب التفوق الصناعي الأوروبي.
هذا يعني أن الصين لم تعد تنافس أوروبا في السعر فقط، بل في التكنولوجيا الصناعية نفسها: السيارات الكهربائية، البطاريات، معدات الطاقة الشمسية، الآلات، المكوّنات، والمنتجات التي تحتاجها أوروبا لإنجاز انتقالها الأخضر والرقمي.

رابعاً: المعادن النادرة… نقطة ضعف استراتيجية
مواجهة الصين لا تدور فقط في الموانئ والمصانع، بل في المواد الخام. الاتحاد الأوروبي يعترف بأن الموادّ الحرجة تدخل في الهواتف، السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، الأسمدة، الطائرات، والدفاع. والأخطر أن الصين توفر 100% من إمدادات الاتحاد الأوروبي من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، وهي مواد أساسية للصناعات النظيفة والعسكرية والتكنولوجية.
لذلك تبدو أوروبا أمام معضلة: تريد تقليل الاعتماد على الصين، لكنها تحتاج الصين لإنجاز التحول الأخضر؛ تريد حماية صناعة السيارات الأوروبية من السيارات الكهربائية الصينية، لكنها تحتاج البطاريات والمعادن وسلاسل التوريد الصينية؛ وتريد تشديد أدواتها التجارية، لكنها تخشى حرباً تجارية ترفع التكلفة على المستهلكين والشركات في وقت حساس.
خامساً: الدفاع يتحول إلى محرك اقتصادي… وإلى عبء مالي
أزمة أوروبا ليست اقتصادية فقط، بل أمنية أيضاً. مع تراجع اليقين حول المظلة الأميركية، وصعود التهديد الروسي، وتوسع الاضطرابات في الشرق الأوسط، بدأت أوروبا تنفق أكثر على الدفاع. ويتوقع الاتحاد الأوروبي أن تبلغ نفقات الدفاع لدى الدول الأعضاء 381 مليار يورو (نحو 411 مليار دولار) في عام 2025، أي ما يعادل نحو 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ343 مليار يورو (نحو 370 مليار دولار) في عام 2024. كذلك، يُتوقع أن تصل استثمارات الدفاع إلى نحو 130 مليار يورو (نحو 140 مليار دولار) في عام 2025.
هذا الإنفاق قد يكون فرصة صناعية إذا تحول إلى تصنيع أوروبي مشترك في الذخائر، الطائرات، المسيّرات، الدفاع الجوي، الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي العسكري. لكنه قد يكون أيضاً عبئاً على الموازنات، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع الفوائد، تباطؤ النمو، دعم الطاقة، وشيخوخة السكان، كما أن الناتو أقرّ هدفاً جديداً يقضي بأن يستثمر الحلفاء 5% من الناتج المحلي سنوياً في الدفاع والأمن بحلول 2035، بينها 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية.
سادساً: أوروبا غداً… بين سيناريو التعافي وسيناريو الانكماش الطويل
السيناريو الأفضل يفترض أن تنحسر صدمة الطاقة تدريجياً، وأن تنخفض الأسعار إلى نحو 20% فوق مستويات ما قبل الحرب بحلول نهاية 2027. عندها يمكن أن يتراجع التضخم، ويتحسن الدخل الحقيقي، وتستعيد الأسر ثقتها، بينما يساهم الاستثمار في الدفاع والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي في دعم النمو.
لكن السيناريو الأسوأ ليس مستبعداً: إذا طالت اضطرابات الطاقة، أو عادت الحرب في الشرق الأوسط، أو تعمقت المواجهة مع الصين، فقد تدخل أوروبا مرحلة نمو ضعيف وتضخم أعلى. البنك المركزي الأوروبي يقدّر في سيناريو شديد أن ينخفض نمو منطقة اليورو إلى 0.5% في 2026 و0.4% فقط في 2027، مع ارتفاع التضخم إلى 4.0% في 2026 وذروته عند 5.3% في 2027.
ما الذي تحتاجه أوروبا؟
تحتاج أوروبا إلى ما هو أعمق من إجراءات موقتة. أولاً، تسريع استقلال الطاقة عبر المتجددة والشبكات والتخزين، لا عبر شراء الغاز من مورد بديل. ثانياً، بناء سياسة صناعية أوروبية حقيقية تحمي القطاعات الاستراتيجية من دون أن تتحول إلى حمائية عمياء. ثالثاً، تقليل الاعتماد على الصين في المعادن الحرجة والبطاريات والمكوّنات الحساسة. رابعاً، توحيد سوق رأس المال الأوروبية حتى تستطيع الشركات الناشئة والصناعات الجديدة الحصول على تمويل بحجم أميركي وصيني. تقرير ماريو دراغي حول التنافسية الأوروبية قدّر أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى استثمارات إضافية سنوية بين 750 و800 مليار يورو لتحقيق أهدافه، أي ما يعادل 4.4% إلى 4.7% من الناتج الأوروبي.