أهلي جدة يفرض قانونه ويكرّس سيادته لقارة آسيا
ثبّت الأهلي السعودي قاعدة "الفريق لا يسقط حين تتعقّد المباراة، بل يعيد تشكيلها"، وعلى هذا النحو تمكن من الاحتفاظ بلقب دوري أبطال آسيا للنخبة للموسم الثاني توالياً إثر تغلبه في النهائي على ماتشيدا الياباني بهدفٍ قاتل على ملعب الجوهرة المشعة.
فوز "الراقي" أشبه بمعركة استنزافٍ حقيقية، إثر أطوار مباراة انغلقت فيها المساحات وتكسّرت فيها الحلول، قبل أن يحسمها فريق يعرف كيف ينتظر وكيف يلسع ويقتنص الكأس على أرضه وبين جماهيره.
طرد زكريا هوساوي كان يفترض أن يكون نقطة الانهيار، وتالياً تفوق للفريق الياباني، لكنه تحوّل إلى لحظة كشف، وهنا تكمن الفوارق بين طرفي اللقاء الأهلي لم يندفع ولم يختبئ، لكنه خاض باقي دقائق اللقاء بعقلٍ بارد وإيقاع محسوب، كأنه يفاوض المباراة على وقتها لا على سياقها، ثم جاءت اللحظة التي تُبنى عليها البطولات، بحيث اقتنص فراس البريكان بومضة هدفاً لم يكن مصادفة، بل نتيجة تراكم صبرٍ وانضباط.
مدرب الحسم
لقصة نجاح "الراقي" رجل يقود من على الخط، حيث يقف المدرب الالماني ماتياس يايسله الذي لا يبيع الوهم، فريقه ليس أجمل الفرق، لكنه الأكثر وعياً بحدوده وإمكاناته، وهذا بالضبط ما يجعله خطيراً، في المحصلة يايسله يلعب ليفوز، من دون الاكتراث للطريقة والأداء. وقال الالماني بعد التتويج "الوصول إلى النهائي لعامين متتاليين ليس أمراً بديهياً". جملة بسيطة، لكنها تفضح عمق الفكرة، أي الأهلي لا يتعامل مع النجاح كحق مكتسب، بل كمعركة يجب كسبها كل مرة من جديد.
وفي الميدان ثمة قائد محنك، فوسط الفوضى، كان النجم الجزائري رياض محرز يمارس دوره الحقيقي، تهدئة الإيقاع حين يتسارع، وضبط القرار حين يتشتت، لم يتحدث عن أداءٍ مثالي، بل عن معاناة: "صعّبنا الأمور على أنفسنا… لكننا فزنا"، ثم ذهب أبعد "لا أعرف من أين جاءت هذه الطاقة بعد النقص العددي".

الفرق لا تصبح كبيرة بلقبٍ واحد، لكنها تتحول إلى مرجع حين تكرر ذلك، والأهلي فعلها مرتين متتاليتين على غرار جاره الاتحاد عامي 2004 و2005، وهذا يخرجه من دائرة "المنافس" إلى دائرة "المعيار".
ما يحدث يتجاوز الأهلي، ليضع معادلة آسيوية جديدة، وهي ان الدوري السعودي صار الأقوى على الإطلاق، إذ لم تعد القارة ترى فريقاً سعودياً واحداً يقود المشهد، بل منظومة كاملة تضغط من كل اتجاه، فالمنافسة الداخلية أصبحت أعلى، وهذا ينعكس خارجياً بشكل مباشر.
اختبار قاسٍ؟
قبل أقل من شهرين على كأس العالم، يدخل المنتخب "الأخضر" مرحلةً حساسة بقيادة المدرب اليوناني جورجيوس دونيس الذي حلّ بدلاً من الفرنسي إيرفيه رينار، تغيير في هذا التوقيت يعد مغامرةٍ محسوبة، إلا أن انتصار الأهلي قد يكون رافعةً معنوية كبيرة قبل ركلة البداية في 11 حزيران (يونيو).
يمنح الواقع المنتخب السعودي نقطة انطلاق قوية، لاعبون قادمون من بيئة انتصارٍ حقيقية، لا من تنظير إعلامي، والنموذج جاهز حيث أن الفريق لا يحتاج للسيطرة كي يفوز، بل إلى تنظيم، صبر، وضربة في اللحظة المناسبة. ومع ذلك، لا مجال للخداع. نجاح الأندية لا يُنسخ تلقائياً على المنتخب، الفارق في الوقت والانسجام كفيل إسقاط أي وهمٍ سريع.
ما يفعله الأهلي اليوم ليس مجرد تتويج، بل إعادة تعريف لفكرة :البطل"، فريق لا يبحث عن الكمال، بل عن النجاة ثم الحسم، حيث أن الخلاصة هي كيف تفوز وليس من لعب أفضل، ويؤمل أن تتحول عقلية "الراقي" إلى سلاح "الأخضر" في كأس العالم، إذ أن في ملاعب أميركا الشمالية لن يكون هناك وقت لانتظار الدقيقة 96.