أميركا - إيران: استراحة محارب لا اتفاق سلام
يزن الأرياني - دبلوماسي وباحث في الشؤون الأوروبية والإقليمية
في بروكسل، عند توقيع مسودة الاتفاق الأميركي - الإيراني، سمعت كثيرين يرددون أن أميركا خسرت الحرب، وأن إيران انتصرت، وأن واشنطن ستسلّم المنطقة لطهران. اعتراضي على هذا الطرح لم يكن عاطفياً، بل قائم على قراءة عملية لمصالح الطرفين.
المنطق الرأسمالي: عقيدة أميركية لا تعرف الانسحاب
حتى التيار الانعزالي في أميركا يظل، في جوهره، تياراً رأسمالياً يقيس القرار بمعيار الربح. والتخلي عن المنطقة، وعن السيطرة على طرق الملاحة البحرية، سيمسّ الأرباح مسّاً مباشراً في اقتصادٍ معولم كهذا. حتى النفط، رغم اكتفاء الولايات المتحدة ذاتياً منه، لايزال يعتمد على أسعار السوق العالمية ويؤثر على المواطن الأميركي. هذا ليس موقفاً عابراً، بل مبدأ راسخ تكرر عبر عقود: فمنذ عام 1980 حين أعلن الرئيس كارتر أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وحتى تأكيد الرئيس ريغان لاحقاً رفضه السماح لإيران بالتحكم في الممرات البحرية الحيوية، ظل هذا الالتزام بنيوياً لا يتغير بتغير الإدارات. لذلك لا أتصوّر أن تلتزم الولايات المتحدة، في هذه الإدارة أو التي تليها، أي اتفاق مع إيران يقوّض هذا المبدأ الذي يكاد أن يكون عقيدةً راسخة لديها. وتبقى عودتها إلى الحرب مع نظام صدام حسين عام 2003، بعد أن توقفت عند تحرير الكويت عام 1991 من دون إسقاطه، المثال الأوضح على أنها قد تؤجل حسم معركة، لكنها لا تتخلى بسهولة عن مصالحها الاستراتيجية.
تصدير الثورة: العقيدة الإيرانية تقتات على الصراع
رغم مقاومة كثيرين من الإيرانيين الشجعان ومحاولاتهم التغيير، لا يزال النظام يستمد شرعيته من مبدأ ولاية الفقيه، وهو ما يعكسه استمرار سيطرة قوات الباسيج، والأعداد الهائلة التي خرجت في جنازة خامنئي، وهي مؤشر على أن قطاعاً واسعاً من الإيرانيين لايزال متمسكاً بهذا المبدأ، ولو لم يكن ذلك إجماعاً. كثيرون يطالبون بإصلاحات إدارية، لكن قلة تريد سقوط النظام نفسه. وسياسة هذا النظام الخارجية توسعية بطبعها، لا ترى في شعوب المنطقة سوى ساحات نفوذ يجب إخضاعها، وهذا ليس تخميناً، بل مبدأ أسّسه الخميني نفسه واعتبره ركيزةً دينية للنظام، وفاخر خامنئي علناً باستمراره حين تحدث عن "تصدير الثورة" إلى لبنان وسوريا والعراق كامتداد استراتيجي لإيران.
ويرتبط نفوذ الحرس الثوري، الذي يُعد القوة الفعلية المهيمنة في إيران بعد المرشد الأعلى، باستمرار حالة الصراع. فكلما اتسعت التهديدات والحروب، اتسع نفوذه ودوره داخل الدولة، ولذلك لا ينظر إلى وقف إطلاق النار بوصفه نهاية للصراع، بل هدنة موقتة يستعد خلالها للجولة التالية.
اتفاق2015: الاستثناء الذي يثبت القاعدة التاريخية
في عام 2015، خرجت إدارة أوباما عن الخط الأميركي الثابت حيال الخليج، في محاولةٍ لتغيير سلوك إيران، ووقّعت الاتفاق النووي معتقدة أن الانفتاح الاقتصادي كفيل تغيير نهجها. لكنه كان اتفاقاً يخاطر بمكاسب مضمونة في الخليج في مقابل مكاسب افتراضية في إيران، وهو ما يفسر جزئياً لماذا اعتُبر الاتفاق، حتى من منظور رأسمالي بحت، مقامرةً خاسرة منذ البداية. وهذا بالضبط ما أثبتته الأرقام: فقد حصلت طهران على ما يزيد عن 100 مليار دولار من الأصول المجمدة في الخارج، بحسب تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، وارتفعت ميزانيتها العسكرية أكثر من 30% خلال العامين التاليين للاتفاق (2016-2018)، بحسب تقديرات معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومجموعة "يوراسيا". ولم يتضمن الاتفاق أي آلية لمنع تحويل هذه الأموال لدعم وكلاء إيران الإقليميين، وهو بالضبط ما حدث: تعزز "حزب الله" في لبنان، وتوسع نفوذ الميليشيات الموالية لإيران في العراق وسوريا لدعم نظام الأسد، وتحول دعم الحوثيين في اليمن من تمرد محليٍّ محدود الإمكانات إلى قوة إقليمية مسلحة بصواريخ باليستية ومسيّرات. لم يكن هذا انحرافاً عن عقيدة النظام التوسعية، بل تأكيد حرفي لها.
وهذا الاستثناء الأميركي القصير لم يدم طويلاً: فالرئيس الذي خلف أوباما مباشرة ألغى الاتفاق بالكامل، واصفاً إياه بأنه "أسوأ اتفاق في تاريخ الولايات المتحدة"، وعاد بذلك الى الخط الثابت الذي رسمه كارتر وأكده ريغان. بعبارةٍ أخرى: كل من الطرفين أثبت، في تلك الحقبة القصيرة، قاعدته الخاصة؛ إيران أثبتت أن التوسع عقيدة لا تتغير بالحوافز الاقتصادية، وأميركا أثبتت أن أي خروج عن سياستها التاريخية في الخليج هو استثناء عابر سرعان ما يُصحَّح.
المشهد الراهن: عودة المعادلات إلى مربعها الأول
واليوم ذهب الرئيس ترامب، أحد أكثر الرؤساء التزاماً بالمنطق الرأسمالي، إلى حد اقتراح فرض مقابل مالي لحماية الملاحة، قبل أن يتراجع لاحقاً بعد إعلان دول الخليج استعدادها لتعويض ذلك عبر استثمارات في الولايات المتحدة، مؤكداً في الوقت نفسه دعمه دول الخليج وتعاونه معها لتأمين نفسها من الخطر الإيراني.
وفي المقابل، أقامت إيران جنازةً رسمية حاشدة لعلي خامنئي بحضور وفود من لبنان والعراق واليمن، وتواصل تهديد دول الخليج والسفن العابرة في مضيق هرمز. بل إنها أرسلت طائرة إلى حلفائها الحوثيين في اليمن، رغم رفض الحكومة اليمنية الشرعية والتحالف الداعم لها، في تصعيد وصفته مصادر يمنية بأنه الأخطر منذ توقيع الهدنة اليمنية عام 2022، إذ رد الحوثيون باستهداف مطار أبها السعودي بالصواريخ والمسيّرات، معلنين رسمياً "نهاية مرحلة التهدئة".
بعبارة أخرى: الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن سيطرتها على البحار ولا عن نفوذها في دول الخليج والمنطقة، وإيران لم تتخلَّ عن نظام ولاية الفقيه ولا عن رغبتها في التوسع الإقليمي.
في الخلاصة، لا أرى أفقاً واقعياً لأي اتفاق دائم بين واشنطن وطهران في ظل المعطيات الراهنة. فأي اتفاق حقيقي يتطلب أن يحفظ للطرفين ماء الوجه، ويصون سيادة دول المنطقة وأمنها، ويضمن حرية الملاحة من دون قيد، وهذه شروط لا تلوح في الأفق القريب. وحتى لو قدّمت أميركا، رسمياً، ما يشبه إقراراً بالهزيمة، أو تخلصت إيران من كل موادها المشعة وتوقفت عن التخصيب، فلن يعني ذلك أكثر من "استراحة محارب" أخرى في سجلٍ طويل من الحروب المؤجَّلة لكن غير المنتهية.