الوفاء للجامعة... يكون بحماية قوانينها لا بتفصيلها على قياس الأشخاص!
سمر ادهم – دكتورة في الجامعة اللبنانية
لم تكن الجامعة اللبنانية يوماً مجرد جدران أو قاعات تدريس، بل هي الذاكرة الوطنية النابضة، والمصعد الاجتماعي الأخير، والمساحة الحرة التي التقت فيها أجيال اللبنانيين متجاوزةً كل انقساماتهم. هذا الإرث ليس ملكاً لأحد، والامتنان لهذه المؤسسة لا يُترجم بتقديم صكوك الولاء لمن يديرها، بل بحماية كيانها وقوانينها.
وهنا يجب أن نحسم أمراً مبدئياً: إن محاولة تصوير كل نقد أو اعتراض على إدارة الجامعة وقراراتها كأنه "تشهير" أو "إساءة"، هو منطق ترهيبي ومرفوض.
المؤسسات لا تُحمى بالصمت، بل بالمساءلة. والجامعة التي نريدها نموذجاً لإنتاج المعرفة، لا يمكن أن تتحول إلى ساحة يُقمع فيها الرأي الآخر، أو يُنظر فيها إلى الفكر النقدي كخروج عن الانتماء. الوفاء الحقيقي ليس في المديح المجامل، بل في النقد المؤسساتي والقانوني الذي هو واجب أخلاقي وأكاديمي، وليس مجرد حق.
اليوم، لسنا أمام نقاش عابر حول أداء الجامعة، بل نحن أمام مواجهة مع مسعى مباشر لتعديل قانون الجامعة اللبنانية للسماح بإعادة ترشيح الرئيس الحالي. دعونا نسمي الأمور بمسمياتها ونتساءل بكل وضوح وحسم:
لماذا يُطلب منا اليوم، ونحن على أبواب ترشيحات وتعيين رئيس جديد، أن نتنازل عن القانون (66) ــ الذي وُضع خصيصاً لتنظيم المجالس الأكاديمية وصون استقلاليتها ــ من أجل إعادة ترشيح شخص، في حين يمكنه ببساطة أن يرتاح لولاية كاملة يعود بعدها إذا أراد، مفسحاً المجال في هذه الأثناء أمام الكفاءات الطامحة والشابة؟ لماذا يُراد اليوم تجاوز هذا القانون لخدمة غايات خاصة وضمان مصالح ضيقة؟
وكيف نسكت، كأكاديميين وحريصين على هذه المؤسسة، عن واقعة تخطي المهل القانونية لفتح باب الترشيح لرئاسة الجامعة؟ إن هذا التأخير المتعمد، بانتظار تعديل قانوني نتمنى أن لا يمر كي نحافظ على هذا القانون الذي كان وما زال حماية مؤكدة لمؤسستنا، هو استهتار موصوف ببنية الجامعة الأكاديمية.
وهنا نوجه سؤالاً مباشراً ومحرجاً إلى أولئك الذين يدّعون أنهم "أهل القانون" والمتمسكون بالمؤسسة الأكاديمية: كيف تزعمون الحرص على الجامعة بينما تقفون متفرجين أمام تجريد الجامعة من أهم قوانينها المنظِّمة؟ وكيف تبررون تخطي المهل وتدمير تداول السلطة تحت مسمى الوفاء؟
هل يجوز أن نعود ستين عاماً إلى الوراء، وتحديداً إلى قانون عام 1967، لننسف بجرّة قلم التعديل الإصلاحي الكبير لعام 2009 الذي صاغه كبار الأساتذة والتربويين؟
إذا كانت الجامعة حقاً أكبر من الأشخاص ــ كما يزعم الجميع ــ فمن غير المقبول رهن مستقبلها وموقعها الأول باستمرار شخص معين في منصبه. وإذا كانت القاعدة الذهبية تقول إن "المؤسسة باقية والرؤساء راحلون"، فإن تفصيل القوانين وتعديلها كلما تعارضت مع طموحات مسؤول، هو تدمير ممنهج لما تبقى من هيبة العمل المؤسساتي.
إن فلسفة القانون وضوابطه المتعلقة بولاية رئيس الجامعة وآلية اختياره لم توضع لتُخرق عند أول مصلحة شخصية، بل وُضعت لحماية الجامعة من خطر التحول إلى "إقطاعيات دائمة" وتجنب تضارب المصالح الفاضح. الغاية هي ضمان نزاهة العملية الانتخابية وفتح المجال أمام الكفاءات الطامحة، لا إغلاق الأبواب لتكريس واقع معين.
ليعلم الجميع، وليعلم الرأي العام بوضوح: إن أساتذة الجامعة اللبنانية لن يقفوا متفرجين. نحن متمسكون بمؤسستنا الوطنية، وسندافع بكل ما أوتينا من قوة عن قوانينها ومجلسها الأكاديمي بوجه أي محاولة للالتفاف والتفصيل. الوفاء لا يكون للرؤساء أو للمناصب، بل للرسالة والقانون. والامتنان للجامعة لا يمكن أن يدفعنا إلى التواطؤ بالسكوت عندما نرى مبادئها الأساسية تُعرض في بازار المساومات والتسويات السياسية.
كيف يمكننا كأكاديميين أن ننظر في عيون طلابنا ونطالبهم باحترام الأنظمة والقوانين، ونحن نرى بأم العين كيف تُطوع هذه القوانين وتُبدل لمجرد أنها باتت عائقاً أمام بقاء مسؤول في كرسيه؟ أي نموذج تربوي وأخلاقي نقدمه للأجيال القادمة؟
نحن فخورون بالجامعة اللبنانية، ولهذا السبب تحديداً لن نقبل بأن تتحول من جامعة تحكمها المؤسسات والقوانين وتداول السلطة، إلى جامعة يحكمها الاستثناء وتكريس المواقع وتخطي المهل. الوفاء الحقيقي ليس في الدفاع عن الكرسي، بل في حماية المبادئ التي تضمن بقاء الجامعة لكل اللبنانيين، لا جامعةً تُفصَّل قوانينها على قياس أحد.