أكثر من 200 معلّم متقاعد بلا تعويضات منذ 10 أشهر: من ينظر لأحوالهم؟
"نحن الذين نعلّم الكرامة قبل أن نعلّم العلم... أهكذا تُصان كرامتنا!؟"
بهذه الكلمات اختصرت المعلّمة المتقاعدة هدى نصر معاناتها ومئات المعلّمين الذين أنهوا سنوات خدمتهم، لكنهم لم يحصلوا حتى اليوم على تعويضاتهم من صندوق اتعويضات المعلمين في القطاع الخاص.
فمنذ 12 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، يوم بلغت السن القانونية، لم تتقاضَ نصر فلسا واحدا، رغم أربعين عاماً أمضتها في التعليم الثانوي. وتقول لـ"النهار" بحرقة: "عملنا أربعين عاماً حتى لا نحتاج إلى أحد. فبعد كل هذه الخدمة، كيف يمكن الإنسان أن يعيش من دون أي مدخول؟ نحن لا نستعطي، بل نطالب بحقوقنا".
وتضيف بأسى: "خرّجت أطباء ومحامين أفتخر بهم كثيراً، وأمضيت حياتي أعلّم طلابي الكرامة والمواطنة قبل المعلومة، واليوم أسأل نفسي: كيف أشرح لهم معنى الكرامة وأنا عاجزة عن تحصيل حقي؟".
قصة هدى ليست حالة فردية، بل تعكس أزمة يعيشها أكثر من 200 معلّم متقاعد، توقفت تعويضاتهم منذ أشهر، في وقت لم يعد لديهم أي راتب بعد انتهاء علاقتهم بمدارسهم، ولا يزال ملفهم عالقاً في صندوق التعويضات.
بحث المجلس التنفيذي لنقابة المعلّمين في لبنان هذه القضية أخيراً، خلال اجتماع عقده واتخذ فيه سلسلة من القرارات، شملت تحديد مواعيد الانتخابات النقابية، والتشديد على التزام المدارس دفع تعويضات المعلّمين، إلى جانب التحذير من استمرار تجميد مستحقات صندوق التعويضات. واستغرب المجلس استمرار حرمان مئات المعلّمين تعويضاتهم، رغم مرور أكثر من عشرة أشهر، بسبب توقف مجلس إدارة صندوق التعويضات عن بتّ الطلبات، بحجة انتظار الدراسة الاكتوارية المتعلقة بمستقبل الصندوق.

جذور الأزمة
ولكن لماذا توقفت التعويضات أساساً؟
يشرح نقيب المعلّمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض لـ"النهار" أن جذور الأزمة تعود إلى الانهيار الاقتصادي الذي أفقد أموال صندوق التعويضات معظم قيمتها. ويقول إن الصندوق كان يملك 1200 مليار ليرة، أي ما يعادل نحو 800 مليون دولار قبل الأزمة، إلا أن قيمة أمواله تراجعت كثيرا بعد انهيار الليرة.
ولمعالجة هذا الواقع، أُقرّ قانون جديد بعد تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، وبدأ تطبيقه اعتباراً من الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2025، يقضي باقتطاع 6% من رواتب المعلّمين و6% من مساهمة المدارس، على أساس الرواتب الجديدة، بهدف إعادة تكوين موارد الصندوق وضمان استمراريته.
غير أن الحرب الأخيرة، وما رافقها من تعثّر بعض المدارس في تسديد مستحقاتها، دفعت مجلس إدارة الصندوق إلى التريث في تحديد قيمة التعويضات والرواتب التقاعدية، في انتظار إنجاز دراسة اكتوارية تحدد قدرة الصندوق على الاستمرار من دون أن ينهار مالياً.
وبحسب محفوض، أدى هذا التريث إلى تجميد جميع طلبات المتقاعدين منذ عشرة أشهر. ويلفت إلى أن "المعلّم الذي خرج إلى التقاعد لا يتقاضى أي راتب من مدرسته، وإذا لم يحصل على تعويضه، فكيف يعيش؟".
ويؤكد أنه طرح في مجلس الإدارة إعطاء المتقاعدين سلفة موقتة إلى حين انتهاء الدراسة واتخاذ القرار النهائي، إلا أن الاقتراح لم يُقرّ حتى الآن. ويضيف: "لا يمكن أن نطلب من الناس انتظار انتهاء الدراسة الاكتوارية فيما هم بلا أي مصدر دخل".
"التأخير ليس مقبولا"
رغم تأكيده أن الصندوق لا يزال يملك أموالاً، إذ دخله نحو 11 مليون دولار خلال الفصل الأول من السنة، يشدد محفوض على أن التأخير لم يعد مقبولاً، كاشفاً أن مجلس الإدارة وعد بحسم الملف خلال الأسبوع المقبل أو الذي يليه، ومحذراً من أن النقابة قد تلجأ إلى خطوات تصعيدية، بينها الاعتصام أو حتى الاستقالة من مجلس الإدارة، إذا استمر التأخير.
بين انتظار الدراسة الاكتوارية وحرص مجلس الإدارة على حماية استمرارية الصندوق، يقف مئات المعلّمين المتقاعدين أمام واقع مرير. ففي حين يحصل المتقاعدون في بلدان أخرى، بعد سنوات الخدمة، على ما يُعرف بـ"تقاعد سعيد"، يجد هؤلاء أنفسهم في لبنان بلا راتب ولا تعويض. فكيف لمن أفنى عمره في التعليم وربّى أجيالاً أن يبدأ تقاعده من دون أي مورد يضمن له عيشاً كريماً، فيما تتحول سنوات الخدمة إلى أشهر طويلة من الانتظار؟