أقانيم الهوية المعطلة للتشريع: المقايضة الدستورية واغتيال العدالة
*المحامي رفيق اورى وليد غريزي
سقطت المطرقة في ساحة النجمة، ولم يكن دويّها إعلانًا لولادة قانون، بل كان إيذانًا بجنازة جديدة لِما تبقّى من مفهوم الدولة والعدالة المجرّدة في لبنان. المشهد الذي ارتسم قبل يومين تحت قبة البرلمان لم يكن مجرد تعثر تشريعي عابر، بل تجسيداً فاضحاً لبنية عميقة تحكم النظام السياسي، حيث تحولت العمارة القانونية والإصلاحية إلى مجرد سلعة في سوق المقايضات الطائفية.
كان يُفترض بالجلسة أن تبلور إنجازاً حقوقياً ودستورياً طال انتظاره يتمثل في تخفيض عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد المشدد، كخطوة رائدة نحو تحديث المنظومة العقابية ومواكبة الفلسفة الجنائية المعاصرة التزاماً بالمعاهدات الدولية. لكن هذه الروح الإصلاحية سرعان ما خُنقت عندما رُبطت قسراً، في مناورة برلمانية غير دستورية، بملف العفو العام، ليتكشف المسرح النيابي عن مشهد سريالي تقاسمت فيه القوى الطائفية الأدوار والملفات؛ فبينما كان النواب السنة يستميتون في التفاوض لتأمين مخرج للموقوفين الإسلاميين، انبرى النواب الشيعة للدفاع المستميت عن المحكومين بجرائم المخدرات، في وقت كان فيه النواب المسيحيون يحصرون معركتهم بملف الفارين إلى إسرائيل.
وعندما اصطدمت هذه الحسابات الفئوية بحائط المسامير المتبادلة وتعرقلت شروط المقايضة، سارعت الأطراف إلى استخدام السلاح الدستوري الأكثر فتكاً بالتشريع، وهو تطيير نصاب الجلسة عمداً، ليطير القانونان معاً وتسقط معهما هيبة المؤسسة الأم.
ماذا حصل في ساحة النجمة؟
إن الغوص وراء السواتر المعلنة لهذه المواقف يكشف عن عورات وخلفيات غير مكتوبة، تتجاوز بكثير العناوين الإنسانية أو القانونية الوجلة التي يحاول كل فريق التلحّف بها. فالاندفاعة نحو إقرار العفو عن الموقوفين الإسلاميين أو تجار المخدرات أو الفارين، لا تنطلق من خلفية إصلاح السجون أو إعطاء فرصة ثانية للمخطئين، بل هي بالدرجة الأولى عملية تجيير انتخابي واستنهاض زبائني للشارع الخاص بكل قوى سياسية.
الهدف غير المعلن هو إعادة إنتاج العصبية الطائفية عبر تقديم الزعيم أو الكتلة لنفسها كـ"حامٍ ومخلص" لأبناء الطائفة، حتى لو كانوا من المرتكبين، في محاولة بائسة لشد عصب القواعد الشعبية وتأمين ولائها المطلق. إنها النرجسية السياسية التي ترى في الجريمة أو المخالفة فرصة للاستثمار، وفي القوانين وسيلة لتبييض صفحة المرتكبين مقابل أصواتهم وولائهم في صناديق الاقتراع، مما يحول التشريع من أداة لخدمة الصالح العام إلى صكوك غفران طائفية مدفوعة الثمن سلفاً، حيث جرى تقييد حق الحياة الفلسفي المتمثل بإلغاء الإعدام بشروط إخلاء سبيل جماعي لغايات فئوية بحتة.
هذه السلوكيات النيابية تنطوي على مروحة واسعة من المخالفات الجسيمة التي تضرب الأسس الدستورية والسياسية والتاريخية والأخلاقية للبلاد. من الناحية الدستورية، يمثل ربط إلغاء عقوبة الإعدام بالعفو العام انتهاكاً صارخاً للمادة السابعة من الدستور اللبناني التي تنص على مساواة جميع اللبنانيين أمام القانون، إذ تحول التشريع هنا إلى تصنيف للمجرمين وفق هوياتهم المذهبية لا أفعالهم الجرمية، مما يضرب مبدأ شمولية القانون وتجريده.

كما يشكل هذا السلوك خرقاً فاضحاً لمبدأ فصل السلطات المكرس في مقدمة الدستور، حيث تحولت السلطة التشريعية إلى محكمة استئناف سياسية تصادر صلاحيات السلطة القضائية وتُلغي أحكام المبرمة، مما يعطل الغاية الأساسية للعقوبة وهي الردع العام والخاص.
وسياسياً، تُكرس هذه الممارسات منطق "الكونفدرالية الطائفية المقنّعة"، حيث تنكر النواب للدستور الذي يؤكد أن النائب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز ربط وكالته بقيد أو شرط، واضعين مصالح الجماعة فوق المصلحة الوطنية العليا. وتاريخياً وعقائدياً، يشكل الدفاع عن الفارين إلى إسرائيل أو المتورطين في دماء قوى الجيش والمجتمع طعنة لذاكرة الوطن الجماعية وتضحياته وتنكراً لعقيدته التأسيسية التي تميز بوضوح بين العدو والصديق، وبين الخطأ السياسي والجريمة الوطنية. أما على الصعيد الأخلاقي، فإن تحويل إلغاء عقوبة الإعدام—وهو مطلب إنساني سامٍ—إلى رهينة ومادة للابتزاز والمساومة، يمثل انحطاطاً قِيَمياً يجعل من العدالة والحياة الإنسانية مجرد أوراق تفاوضية على طاولة قمار سياسية.
إن ما جرى في مجلس النواب هو إعلان صريح عن إفلاس المنظومة وقدرتها المستمرة على اغتيال أي بارقة إصلاح حقيقي في مهدها عبر تشويه المفاهيم الدستورية. طالما أن المشرّع اللبناني ينظر إلى القوانين بعيون مذهبية ضيقة، وطالما أن العدالة تُقاس بميزان الحظوة الطائفية لا بميزان الحق، فإن فكرة الدولة ستبقى مجرد سراب في صحراء التحاصص. لقد أثبتت التجربة مجدداً أن إصلاح المنظومة العقابية أو تحقيق أي خرق دستوري لا يمكن أن يمر عبر قنوات "البازار"، وأن حماية العدالة تتطلب أولاً تحرير القوانين من أسر الزبائنية السياسية، لكي لا تظل النصوص التشريعية مجرد جثث هامدة تطير مع أول نسمة خلاف على الحصص والمغانم.