الاستثناء في لبنان قاعدة... والمشترك فائض عن حاجتنا
iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} ضياء عبد العال - كاتب وصحافي
لم أعد أحب الخروج من البيت!
ليس بسبب الحرب. الحرب، مهما طالت، تبقى استثناءً. تعرف أنها موجودة، وتعرف أيضاً أنها لن تدوم إلى الأبد.
كلّما خرجت، أحاول أن أحتفظ بهدوئي. لكن الطريق لا يلبث أن يُبدّده.
عند ناصية الشارع، تستقبلني تلك الـحُفر، فأجد نفسي - كما في إعلان "إنسى جورة" – "أشفط لورا" عند كل واحدة منها.
كبرت هذه الحُفر مع الأيام والسنين، واتّسعت مع مرور الشاحنات الثقيلة، وتبدّلت أشكالها وأحجامها، لكنها لم تختفِ. بعضها حفره مقاول ليمدّ قسطل مياه إلى عقاره ثم طمرها بالتراب وانصرف. وبعضها شقه صاحب مشروع ليمدّ كابلاً كهربائياً فغمرها بالأسمنت كأن شيئاً لم يكن.
لم أعد أتذكر عدد المرات التي رقّعت فيها البلدية هذه الحُفر. لكنها كانت تعود مع أول "شتوة" أو مع مرور أول آلية كبيرة، حتى صارت من المعالم الرئيسية في شوارع الحي.
أُتابع طريقي.
عند التقاطع الشهير بين بقسطا والبرامية ومكسر العبد، حيث تتكسّر السيارات كل يوم، ومنذ سنوات، على مسافة لا تتجاوز عشرات الأمتار. يعرفه سكان صيدا، والعابرون من بيروت نحو الجنوب، والبلديات المعنية، ووزارة الأشغال، ونواب المنطقة وأحزابها... أما أكثر من يعرفه، فهم ميكانيكيو المدينة.
أصل إلى تقاطع إيليا.
الإشارة حمراء. لكن شرطي المرور يؤشّر إلى السائقين بكفّه، وبحركات سريعة، ليتقدّموا رغم الإشارة الحمراء. وتعلو صفّارته مستحثّة الجميع على العبور. عندها، يصبح الالتزام بالإشارة مرهوناً بإشارة الشرطي. وما ينطبق الآن قد لا ينطبق بعد دقيقة.
أواصل الطريق إلى وجهتي، وأبحث عن مكان أركن فيه سيارتي. أجد الشارع مُحاطاً على جانبيه بحواجز أسمنتية موصولة بسلاسل معدنية تمتد عشرات وربما مئات الأمتار. صاحب موقف سيارات قرّر أن يمنع الناس من ركن سياراتهم هنا، ليتركوها في موقفه المدفوع.
في البداية ظننتها حالة استثنائية. ثم بدأت أراها في شارع آخر. ثم في شارع ثالث... ثم أدركت أن الاستثناء هو الشارع الذي لا تُوجد فيه سلاسل!
أُتابع البحث.
تشق دراجات نارية طريقها بين السيارات بحركات شبه بهلوانية، وغالباً من جهة اليمين. بعضها يعبر عكس السير، وكثيرون من سائقيها يعتبرون الخوذة تفصيلاً يمكن الاستغناء عنه. يكفي أن يفتح أحدهم باب سيارته أو ينحرف بها قليلاً حتى تقع مأساة جديدة.
نسيت متى توقّفت عن التعامل مع هذه المشاهد كأنها مُصادفات. لم يعد يهمّني ما إذا كان أحدهم يحتل الرصيف، أو يشق الطريق، أو يعبر بعكس السير. ما يستوقفني دائماً هو أن كل واحد من هؤلاء يتصرف بالطريقة نفسها، كأن بينهم جميعاً شيئاً مشتركاً لا أراه.
- ما الذي يجمع كل هؤلاء؟
لا أعرف.
المُقاول لا يعرف شرطي السير. وشرطي السير لا يعرف صاحب موقف السيارات. وصاحب الموقف لا يعرف سائق الدراجة النارية. ومع ذلك، يتصرّف الجميع في الشارع كأن بينهم اتفاقاً غير مكتوب.
يصعب عليّ أن أصدّق أن الأمر مجرّد مصادفة. فالمصادفات لا تتكرّر بهذه الدقّة، ولا تُنتج السلوك نفسه كل يوم، وبين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضاً.
هناك شيء آخر ينتقل إلينا جميعاً.
شيء يشبه تلك "الإشارات" التي تحدّث عنها زياد الرحباني في "فيلم أميركي طويل". نتلقّاه بصمت، من البيت، ومن المدرسة، ومن الشارع، ومن الطائفة، ومن الحزب، حتى يصبح جزءاً من الطريقة التي نفهم بها العالم.
منذ فترة، لم أعد أرى الحُفرة مشكلة بحدّ ذاتها. ولا الرصيف، ولا الإشارة الحمراء. صارت كلها تقودني إلى السؤال نفسه:
- من أين جاء هذا المنطق؟
صار المشترك لا يخص أحداً. يأخذ منه كل واحد ما يستطيع، ثم يترك الباقي لمن يأتي بعده.
أفكر في طفل صغير. لن يجلس أحد ليشرح له معنى المجال العام. لكنه سيتعلّمه على أي حال.
سيرى الكبار يقودون سياراتهم. يقفون في الطابور. يعاملون الرصيف والطريق والممتلكات العامة. وسيكتشف، من دون أن يقول له أحد، ما الذي يُكافأ عليه الناس، وما الذي يسخرون منه. هكذا تتكوّن فكرته عن العالم.
قد يعتقد أن الطريق لمن يفرض نفسه. وأن الرصيف لمن يحتلّه أولاً. وأن القانون قابل للتفاوض إذا وُجد من يسمح بذلك. لا أحد لقّنه هذه الأفكار. لكنها تسلّلت إليه، مرة بعد مرة، حتى بدت له طبيعية.
قبل أيام، كنا عند التقاطع القريب من بيتنا. كانت ابنتي تُراقب السيارات بصمت، ثم قالت: "ما حدا بمرّق حدا".
حين يحتل أحدهم الرصيف، لا يفكّر بمن سيمشي بعده. وحين يقفل الطريق، لا يسأل من سيتأخّر بسببه. وحين يتجاوز دوره، لا يخطر في باله أنه انتزع حقاً من أحد. كأن الآخرين خارج المشهد.
ولا أحد يُولد وهو يرى العالم بهذه الطريقة. نتعلّمها في تفاصيل صغيرة، تتكرّر كل يوم، حتى تبدو بديهية. وحين تكبر معنا، يصبح الفرق بين ما هو لي وما هو لنا أقل وضوحاً.
في البيت، أستطيع أن أفعل ما أشاء. أمّا خارجه، فكل خطوة أخطوها، وكل صوت أرفعه، وكل مساحة أستولي عليها، تمسّ أشخاصاً آخرين، حتى لو لم أرهم. لهذا، لا يبدأ احترام المشترك من القانون. يبدأ من الإحساس بأن هذا المكان ليس لي وحدي.
- لكن كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن علّمنا العكس؟ العائلة؟ أم المدرسة؟ أم الطائفة؟ أم الحزب؟ أم الدولة؟
كلما فكّرت في الأمر، وجدت أن أياً منها لا يستطيع أن يتنصّل من مسؤوليته. يصعب عليّ أن أحمّل المسؤولية لطرف واحد. فما أراه اليوم لم يتكوّن في سنة، ولا في عهد، ولا على يد حزب واحد. تكوّن ببطء، حتى صار جزءاً من الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا... وإلى الآخرين.
لهذا، صرت أرى الدولة في الطريقة التي نتعامل بها مع ما هو مشترك. ولهذا، كلما حاولت أن أفهم لبنان، وجدت نفسي أبتعد قليلاً عن السياسة، وأقترب أكثر من المجتمع. فالسياسة لا تخلق هذا الواقع... بل تُعرّيه.
وأنا أفكّر في كل ذلك، راودني سؤال بسيط:
- هل هذه الحكاية لبنانية حصراً؟
ربما ليست كذلك. لكن ما يميّز لبنان أن التفاوض على المشترك لم يعد استثناءً، بل صار جزءاً من الحياة اليومية.
أعود إلى تاريخ هذا البلد، فالمجتمعات لا تتكوّن في الفراغ. لبنان، منذ نشأته، لم يعرف زمناً طويلاً اجتمع فيه الناس على مرجعية واحدة، أو قانون واحد، أو شعور واحد بالمصلحة المشتركة. كان لكل جماعة ذاكرتها، ومخاوفها، ومظلّتها، وروايتها الخاصة.
وحين لا يجد الإنسان مجالاً عاماً يحتمي به، يبحث عن الحماية في مكان آخر. مرة في العائلة. ومرة في الطائفة. ومرة في الزعيم. ومرة في الحزب.
هنا أصل إلى "حزب الله"، ليس لأنني أبحث عن خصم سياسي، ولا لأنني أُحمّله وحده مسؤولية ما آل إليه حال البلد، بل لأنه، بالنسبة إليّ، أوضح تجلٍّ لمنطق يقدّم الخاص على المشترك، ومنطق سبق ظهوره بسنوات طوال. ولو اختفى غداً، سيبقى السؤال نفسه قائماً:
- هل تغيّرت الفكرة التي جعلت ظهوره ممكناً؟
وربما لهذا أيضاً، صرت أتجنّب الاحتكاك بالناس كلما استطعت. ليس لأنني أخاف الاختلاف، بل لأنني تعبت من مجتمع ينقسم حول كل شيء. حتى الحرب، التي يفترض أن تجمع الناس على حماية بلدهم، تتحوّل عندنا إلى مناسبة جديدة للانقسام. أبتعد، لأنني لم أعد أريد أن أكون جزءاً من هذا الاصطفاف، ولا من الصفقات التي تُعقد دائماً على حساب لبنان.
أعود إلى الجملة الأولى: لم أعد أحب الخروج من البيت.
فالطريق في كل مرة، يروي الحكاية نفسها.
لم أعد أحب الخروج من البيت!
ليس بسبب الحرب. الحرب، مهما طالت، تبقى استثناءً. تعرف أنها موجودة، وتعرف أيضاً أنها لن تدوم إلى الأبد.
كلّما خرجت، أحاول أن أحتفظ بهدوئي. لكن الطريق لا يلبث أن يُبدّده.
عند ناصية الشارع، تستقبلني تلك الـحُفر، فأجد نفسي - كما في إعلان "إنسى جورة" – "أشفط لورا" عند كل واحدة منها.
كبرت هذه الحُفر مع الأيام والسنين، واتّسعت مع مرور الشاحنات الثقيلة، وتبدّلت أشكالها وأحجامها، لكنها لم تختفِ. بعضها حفره مقاول ليمدّ قسطل مياه إلى عقاره ثم طمرها بالتراب وانصرف. وبعضها شقه صاحب مشروع ليمدّ كابلاً كهربائياً فغمرها بالأسمنت كأن شيئاً لم يكن.
لم أعد أتذكر عدد المرات التي رقّعت فيها البلدية هذه الحُفر. لكنها كانت تعود مع أول "شتوة" أو مع مرور أول آلية كبيرة، حتى صارت من المعالم الرئيسية في شوارع الحي.
أُتابع طريقي.
عند التقاطع الشهير بين بقسطا والبرامية ومكسر العبد، حيث تتكسّر السيارات كل يوم، ومنذ سنوات، على مسافة لا تتجاوز عشرات الأمتار. يعرفه سكان صيدا، والعابرون من بيروت نحو الجنوب، والبلديات المعنية، ووزارة الأشغال، ونواب المنطقة وأحزابها... أما أكثر من يعرفه، فهم ميكانيكيو المدينة.
أصل إلى تقاطع إيليا.
الإشارة حمراء. لكن شرطي المرور يؤشّر إلى السائقين بكفّه، وبحركات سريعة، ليتقدّموا رغم الإشارة الحمراء. وتعلو صفّارته مستحثّة الجميع على العبور. عندها، يصبح الالتزام بالإشارة مرهوناً بإشارة الشرطي. وما ينطبق الآن قد لا ينطبق بعد دقيقة.
أواصل الطريق إلى وجهتي، وأبحث عن مكان أركن فيه سيارتي. أجد الشارع مُحاطاً على جانبيه بحواجز أسمنتية موصولة بسلاسل معدنية تمتد عشرات وربما مئات الأمتار. صاحب موقف سيارات قرّر أن يمنع الناس من ركن سياراتهم هنا، ليتركوها في موقفه المدفوع.
في البداية ظننتها حالة استثنائية. ثم بدأت أراها في شارع آخر. ثم في شارع ثالث... ثم أدركت أن الاستثناء هو الشارع الذي لا تُوجد فيه سلاسل!
أُتابع البحث.
تشق دراجات نارية طريقها بين السيارات بحركات شبه بهلوانية، وغالباً من جهة اليمين. بعضها يعبر عكس السير، وكثيرون من سائقيها يعتبرون الخوذة تفصيلاً يمكن الاستغناء عنه. يكفي أن يفتح أحدهم باب سيارته أو ينحرف بها قليلاً حتى تقع مأساة جديدة.
نسيت متى توقّفت عن التعامل مع هذه المشاهد كأنها مُصادفات. لم يعد يهمّني ما إذا كان أحدهم يحتل الرصيف، أو يشق الطريق، أو يعبر بعكس السير. ما يستوقفني دائماً هو أن كل واحد من هؤلاء يتصرف بالطريقة نفسها، كأن بينهم جميعاً شيئاً مشتركاً لا أراه.
- ما الذي يجمع كل هؤلاء؟
لا أعرف.
المُقاول لا يعرف شرطي السير. وشرطي السير لا يعرف صاحب موقف السيارات. وصاحب الموقف لا يعرف سائق الدراجة النارية. ومع ذلك، يتصرّف الجميع في الشارع كأن بينهم اتفاقاً غير مكتوب.
يصعب عليّ أن أصدّق أن الأمر مجرّد مصادفة. فالمصادفات لا تتكرّر بهذه الدقّة، ولا تُنتج السلوك نفسه كل يوم، وبين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضاً.
هناك شيء آخر ينتقل إلينا جميعاً.
شيء يشبه تلك "الإشارات" التي تحدّث عنها زياد الرحباني في "فيلم أميركي طويل". نتلقّاه بصمت، من البيت، ومن المدرسة، ومن الشارع، ومن الطائفة، ومن الحزب، حتى يصبح جزءاً من الطريقة التي نفهم بها العالم.
منذ فترة، لم أعد أرى الحُفرة مشكلة بحدّ ذاتها. ولا الرصيف، ولا الإشارة الحمراء. صارت كلها تقودني إلى السؤال نفسه:
- من أين جاء هذا المنطق؟
صار المشترك لا يخص أحداً. يأخذ منه كل واحد ما يستطيع، ثم يترك الباقي لمن يأتي بعده.
أفكر في طفل صغير. لن يجلس أحد ليشرح له معنى المجال العام. لكنه سيتعلّمه على أي حال.
سيرى الكبار يقودون سياراتهم. يقفون في الطابور. يعاملون الرصيف والطريق والممتلكات العامة. وسيكتشف، من دون أن يقول له أحد، ما الذي يُكافأ عليه الناس، وما الذي يسخرون منه. هكذا تتكوّن فكرته عن العالم.
قد يعتقد أن الطريق لمن يفرض نفسه. وأن الرصيف لمن يحتلّه أولاً. وأن القانون قابل للتفاوض إذا وُجد من يسمح بذلك. لا أحد لقّنه هذه الأفكار. لكنها تسلّلت إليه، مرة بعد مرة، حتى بدت له طبيعية.
قبل أيام، كنا عند التقاطع القريب من بيتنا. كانت ابنتي تُراقب السيارات بصمت، ثم قالت: "ما حدا بمرّق حدا".
حين يحتل أحدهم الرصيف، لا يفكّر بمن سيمشي بعده. وحين يقفل الطريق، لا يسأل من سيتأخّر بسببه. وحين يتجاوز دوره، لا يخطر في باله أنه انتزع حقاً من أحد. كأن الآخرين خارج المشهد.
ولا أحد يُولد وهو يرى العالم بهذه الطريقة. نتعلّمها في تفاصيل صغيرة، تتكرّر كل يوم، حتى تبدو بديهية. وحين تكبر معنا، يصبح الفرق بين ما هو لي وما هو لنا أقل وضوحاً.
في البيت، أستطيع أن أفعل ما أشاء. أمّا خارجه، فكل خطوة أخطوها، وكل صوت أرفعه، وكل مساحة أستولي عليها، تمسّ أشخاصاً آخرين، حتى لو لم أرهم. لهذا، لا يبدأ احترام المشترك من القانون. يبدأ من الإحساس بأن هذا المكان ليس لي وحدي.
- لكن كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن علّمنا العكس؟ العائلة؟ أم المدرسة؟ أم الطائفة؟ أم الحزب؟ أم الدولة؟
كلما فكّرت في الأمر، وجدت أن أياً منها لا يستطيع أن يتنصّل من مسؤوليته. يصعب عليّ أن أحمّل المسؤولية لطرف واحد. فما أراه اليوم لم يتكوّن في سنة، ولا في عهد، ولا على يد حزب واحد. تكوّن ببطء، حتى صار جزءاً من الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا... وإلى الآخرين.
لهذا، صرت أرى الدولة في الطريقة التي نتعامل بها مع ما هو مشترك. ولهذا، كلما حاولت أن أفهم لبنان، وجدت نفسي أبتعد قليلاً عن السياسة، وأقترب أكثر من المجتمع. فالسياسة لا تخلق هذا الواقع... بل تُعرّيه.
وأنا أفكّر في كل ذلك، راودني سؤال بسيط:
- هل هذه الحكاية لبنانية حصراً؟
ربما ليست كذلك. لكن ما يميّز لبنان أن التفاوض على المشترك لم يعد استثناءً، بل صار جزءاً من الحياة اليومية.
أعود إلى تاريخ هذا البلد، فالمجتمعات لا تتكوّن في الفراغ. لبنان، منذ نشأته، لم يعرف زمناً طويلاً اجتمع فيه الناس على مرجعية واحدة، أو قانون واحد، أو شعور واحد بالمصلحة المشتركة. كان لكل جماعة ذاكرتها، ومخاوفها، ومظلّتها، وروايتها الخاصة.
وحين لا يجد الإنسان مجالاً عاماً يحتمي به، يبحث عن الحماية في مكان آخر. مرة في العائلة. ومرة في الطائفة. ومرة في الزعيم. ومرة في الحزب.
هنا أصل إلى "حزب الله"، ليس لأنني أبحث عن خصم سياسي، ولا لأنني أُحمّله وحده مسؤولية ما آل إليه حال البلد، بل لأنه، بالنسبة إليّ، أوضح تجلٍّ لمنطق يقدّم الخاص على المشترك، ومنطق سبق ظهوره بسنوات طوال. ولو اختفى غداً، سيبقى السؤال نفسه قائماً:
- هل تغيّرت الفكرة التي جعلت ظهوره ممكناً؟
وربما لهذا أيضاً، صرت أتجنّب الاحتكاك بالناس كلما استطعت. ليس لأنني أخاف الاختلاف، بل لأنني تعبت من مجتمع ينقسم حول كل شيء. حتى الحرب، التي يفترض أن تجمع الناس على حماية بلدهم، تتحوّل عندنا إلى مناسبة جديدة للانقسام. أبتعد، لأنني لم أعد أريد أن أكون جزءاً من هذا الاصطفاف، ولا من الصفقات التي تُعقد دائماً على حساب لبنان.
أعود إلى الجملة الأولى: لم أعد أحب الخروج من البيت.
فالطريق في كل مرة، يروي الحكاية نفسها.