أسبوع الأرشيف الدولي... تأكيد لبناني على حماية الذاكرة في مواجهة التحولات
يعتبر أسبوع الأرشيف الدولي في لبنان مناسبة للتأكيد على الدور المتنامي للأرشيف في حماية الذاكرة الجماعية وتعزيز العدالة وصون التراث الثقافي في مواجهة الحروب والأزمات والتحولات المتسارعة. وقد حملت نسخة عام 2026 شعار "الأرشيف من أجل العدالة: الحقوق والذاكرة والمستقبل"، انسجاماً مع التوجه العالمي الذي أطلقه المجلس الدولي للأرشيف، والذي ينظر إلى الأرشيف باعتباره أداة أساسية لحفظ الأدلة والحقوق والذاكرة، وليس مجرد مستودع للوثائق التاريخية. فالأرشيف يساهم في توثيق الوقائع، وإثبات الحقوق، ومساءلة المسؤولين، كما يساعد المجتمعات على فهم ماضيها وبناء مستقبلها.
في هذا السياق، شهد لبنان سلسلة من الفعاليات التي عكست تنوع المقاربات الأرشيفية وتعدد أدوارها الثقافية والاجتماعية والعلمية، نسقّها "مرصد التراث الحديث"، الذي يعمل على إبراز أهمية الأرشيف في فهم التاريخ الحديث وصون الذاكرة الجماعية. ومرصد التراث الحديث هو شبكة من المؤسسات الفاعلة في التراث الثقافي وتهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي الحديث، مع التركيز على مجالات الهندسة المعمارية والتصوير والموسيقى والأفلام.
شكّل
معرض «مئوية الدستور اللبناني
» الذي نظمته مكتبة جامعة الروح القدس – الكسليك إحدى أبرز محطات الأسبوع. اصطحب المعرض الزوار في رحلة عبر تاريخ نشأة الدولة اللبنانية وتطور نظامها الدستوري منذ بروتوكول المتصرفية عام 1861 وصولاً إلى اتفاق الطائف عام 1989. ومن خلال الوثائق الأصلية والصور النادرة والصحف والخرائط والأفلام الأرشيفية، قدّم المعرض قراءة تاريخية لمسار بناء المؤسسات الدستورية اللبنانية، مسلطاً الضوء على النقاشات والأفكار والشخصيات التي ساهمت في صياغة الدستور وإرساء أسس الجمهورية.
واعتمد المعرض على مصادر أرشيفية متنوعة، من بينها الأرشيف العثماني والفرنسي وأرشيف الصحف اللبنانية والمجموعات الخاصة التي تعود إلى باحثين ومؤرخين وشخصيات عامة. كما وجّه المنظمون نداءً إلى العائلات اللبنانية للمساهمة بوثائق وصور محفوظة لديها، في خطوة تؤكد أن كتابة التاريخ ليست حكراً على المؤسسات الرسمية، بل هي عملية تشاركية يساهم فيها المواطنون من خلال حفظ ذاكرتهم ووثائقهم الخاصة. ومن خلال هذه المقاربة، ظهر الدستور ليس بوصفه نصاً قانونياً مجرداً، بل كتجربة تاريخية وسياسية تعكس تطلعات المجتمع اللبناني وتحدياته.
وفي اتجاه مختلف، اختارت المكتبة الشرقية في جامعة القديس يوسف أن تستكشف ذاكرة منطقة البقاع عبر مشروع رقمي بعنوان «البقاع معروضاً». استند المشروع إلى مجموعة من الصور الفوتوغرافية النادرة التي التقطها الآباء اليسوعيون خلال فترة الانتداب الفرنسي، وأعاد قراءتها ضمن محاور تتناول الزراعة والتعليم والبحث العلمي والحياة الدينية والسلطة. وقد كشفت هذه الصور عن جوانب من تاريخ البقاع بوصفه فضاءً للإنتاج والمعرفة والتفاعل الاجتماعي، بعيداً عن الصور النمطية السائدة. كما أبرز المشروع الدور الذي لعبه اليسوعيون في التنمية الزراعية والتعليم والبحث العلمي، ولا سيما من خلال دير تعنايل ومرصد كسارة الذي شكّل أحد أبرز المراكز العلمية في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. وتجاوزت أهمية المشروع البعد التوثيقي ليطرح الأرشيف كأداة لفهم التحولات الاجتماعية والتاريخية واستعادة ذاكرة الأمكنة المهددة بالاندثار.

أما متحف سرسق، فقد أعاد إحياء فصل شبه منسي من التاريخ الثقافي اللبناني من خلال معرض «فراشات ودبابير: قصة فرقة طيران الشرق الأوسط الفلكلورية من خلال الأرشيف». استند المعرض إلى مختارات من حوالي خمسمائة مادة أرشيفية جمعتها عائلة بو حرب على مدى عقود، وتضمنت صوراً ووثائق ومراسلات وبرامج عروض وقصاصات صحافية توثق نشاط الفرقة التي مثّلت لبنان في المهرجانات الدولية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وقد أضاء المعرض على دور شركة طيران الشرق الأوسط في الترويج للثقافة اللبنانية خارج البلاد، كما أبرز أهمية المبادرات الفردية والعائلية في حفظ الذاكرة. فالوثائق التي احتفظت بها العائلة رغم مخاطر الحرب الأهلية تحولت مع الوقت إلى مصدر تاريخي يروي جانباً من الحياة الثقافية اللبنانية ويؤكد الدور الذي يمكن أن يؤديه الأفراد في صون التراث الوثائقي.
وفي مجال التراث السمعي، فتحت مؤسسة البحث والتوثيق والبحث في الموسيقى العربية «آمار» أبواب أرشيفها الموسيقي أمام الجمهور، مقدمة فرصة للتعرف إلى عمليات حفظ التسجيلات الصوتية وترميمها ورقمنتها. ويضم أرشيف المؤسسة تسجيلاًت موسيقية نادرة تعود إلى بدايات التسجيل التجاري في المنطقة منذ مطلع القرن العشرين حتى العقد الثالث منه. وقد أتاح النشاط للزوار متابعة المراحل التقنية التي تمر بها المواد الصوتية قبل حفظها النهائي، والاستماع إلى تسجيلات تاريخية باستخدام أجهزة قديمة مثل الفونوغراف والغراموفون. وأكدت هذه المبادرة أن حماية التراث السمعي لا تقل أهمية عن حماية الوثائق المكتوبة أو الصور، لأنها تحفظ أصوات الماضي وممارساته الفنية والاجتماعية وتتيح إعادة اكتشافها للأجيال الجديدة.
ومن أبرز فعاليات الأسبوع أيضاً الجلسة الحوارية التي نظمتها مؤسسة «أثر» للحفظ والتوثيق بعنوان «جنوب لبنان: الأرض والذاكرة والتراث المعماري». وقد تناولت الجلسة المخاطر التي تهدد التراث الثقافي في جنوب لبنان في ظل الحرب والدمار ومحاولات المحو والاقتلاع التي تطال الأرض والإنسان والذاكرة. وانطلقت النقاشات من رؤية شاملة للتراث تتجاوز المباني والمواقع الأثرية لتشمل المكتبات والمخطوطات والأرشيفات العائلية والروايات الشفوية والذاكرة الجماعية.
وشارك في الجلسة عدد من الباحثين والمتخصصين الذين قدموا مقاربات متنوعة للتراث الجنوبي. فتناول الدكتور رامي زريق تاريخ ملكية الأراضي في جبل عامل وأوضاع الفلاحين الذين غالباً ما غابت تجاربهم عن السرديات التاريخية التقليدية. واستعرض حسن ترحيني تجربته في إنشاء «مدونة جبل عامل» التي أصبحت أرشيفاً رقمياً يضم آلاف المواد المتعلقة بتاريخ المنطقة وآدابها وتراثها. أما فاطمة البزال، فتطرقت إلى المخطوطات العاملية وما تواجهه من أخطار تهدد باندثارها، مبرزة قيمتها العلمية والثقافية. في حين عرض علي مزرعاني تجربته الطويلة في جمع الوثائق والصور والمخطوطات التي توثق الحياة الاجتماعية والثقافية والعمرانية في الجنوب، مؤكداً أهمية الأرشيف في إعادة بناء الذاكرة المكانية والثقافية للمنطقة.
وبالتوازي مع هذه الأنشطة، أصدر مرصد التراث الحديث بياناً حذر فيه من المخاطر غير المسبوقة التي تهدد التراث الثقافي في جنوب لبنان نتيجة الحرب المستمرة. ودعا إلى تحرك عاجل ومنسق لتوثيق الأضرار وحماية المواقع والمجموعات التراثية وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الحفظ، مؤكداً أن صون التراث يمثل استثماراً في التعافي والصمود والتماسك الاجتماعي.
وتكشف مجمل هذه المبادرات أن الأرشيف لم يعد شأناً تقنياً يقتصر على المتخصصين، بل أصبح قضية عامة ترتبط بالحقوق والهوية والمواطنة والعدالة. فالوثائق والصور والتسجيلات والشهادات التي تُحفظ اليوم ستشكل غداً مرجعاً لفهم ما جرى وإثبات الوقائع وحماية الذاكرة الجماعية. وفي بلد مثل لبنان، حيث تتعرض الذاكرة باستمرار لمخاطر التدمير والضياع، يصبح حفظ الأرشيف فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية والأمل. ومن هنا تبرز الرسالة الأساسية لأسبوع الأرشيف الدولي: أن العدالة لا تبدأ في المحاكم فقط، بل تبدأ أيضاً بحفظ الوثيقة وصون الصورة وتوثيق الشهادة، وبالإيمان بحق الأفراد والمجتمعات في ذاكرتها وفي نقلها إلى الأجيال المقبلة.