بنك "ريفولوت" في المغرب .. بين التريث التنظيمي ومتطلبات المنافسة

قال والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، بخصوص بنك ريفولوت (Revolut) البريطاني الذي أثير الجدل حول دخوله إلى المغرب، إن المؤسسة البريطانية “لم تتقدم بعد بطلب رسمي للحصول على ترخيص بنكي أو رخصة لمزاولة نشاطها في المغرب، والتواصل معها لم يتجاوز مرحلة النقاشات والاتصالات”.

وأوضح الجواهري في ندوة صحافية تلت الاجتماع الفصلي لبنك المغرب، أول أمس الثلاثاء، أن دخول أي فاعل مالي أجنبي إلى السوق المغربية يخضع للقواعد التنظيمية نفسها المعمول بها، وأن بنك المغرب يركز على احترام شروط الترخيص، وحماية الزبائن، وضمان سلامة النظام المالي قبل السماح بأي نشاط.

إدريس الفينة، خبير في الاقتصاد الجيو-سياسي، قال إن “ما صدر عن بنك المغرب ليس قرارا بالمنع، بل تعبير عن أن التوقيت غير ملائم. فالبنك المركزي أوضح أن ريفولوت لم تتقدم أصلا بأي طلب رسمي للحصول على اعتماد بنكي، وأن ما جرى كان مجرد لقاء استكشافي، والحديث إذن عن ‘تأجيل محسوب’ لا عن ‘رفض’، وهذا تمييز جوهري ينبغي ألا يضيع في النقاش العام”.

وأضاف الفينة، في تصريح لهسبريس، أن تحفظ بنك المغرب في هذه المرحلة موقف مسؤول ومفهوم. فالمؤسسة منشغلة بثلاثة أوراش ذات أولوية وطنية: التفاوض مع الشركاء الأوروبيين حول إطار تحويلات مغاربة العالم، والتقييم المرتقب نهاية السنة من صندوق النقد والبنك الدوليين لمتانة منظومتنا المالية، وتقييم في إطار مجموعة العمل المالي حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وفي ظل هذه الأوراش الحساسة، يكون من الحكمة ألا يُفتح ملف بهذا الحجم على عجل.

أما حول دخول البنك البريطاني إلى السوق المالية الوطنية، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن ذلك لن يشكل “زلزالا” للنظام في مجمله، فهذا نظام وطني محمي بدرجة تركّز عالية وبحاجز تنظيمي ظل صارما منذ أكثر من عشر سنوات. لكنه سيمارس، حين يأتي أوانه، ضغطا تنافسيا حقيقيا وانتقائيا على أكثر الشرائح ربحية: تحويلات المهاجرين والمدفوعات الرقمية.

وذكر أن “أهم أثر إيجابي لريفولوت تحقق فعلا قبل دخولها؛ إذ دفعت مجرد فرضية وصولها بنوكنا إلى استباق المنافسة بإطلاق حلول رقمية محلية. فالرهان الحقيقي ليس في حماية البنوك من المنافسة، بل في أن تُحوّل هذه البنوك ضغط المنافسة إلى تحديث فعلي لخدماتها لصالح المواطن المغربي”.

وبيّن الفينة أن “التريث اليوم مشروع، لكن ينبغي أن يكون تريث استعداد لا تريث تأجيل دائم. فالانفتاح المنظم، حين تنضج شروطه، يبقى في مصلحة المستهلك والاقتصاد الوطني معا”، وفق تعبيره.

المهدي الفقير، خبير مالي واقتصادي، أوضح أن “الترخيص البنكي يعتبر مجالا سياديا بامتياز في أي دولة. ويعني ذلك أن النظام المصرفي، وتحديدا دخول أي فاعل أو مستثمر أجنبي إليه، يخضع للعديد من الاعتبارات الدقيقة من حيث المبدأ”. وبناء على ذلك، لا يمكن التعامل مع هذا القطاع الحساس دون قيود صارمة.

وأضاف الفقير، في تصريح لهسبريس، أن عددا كبيرا من المصارف الأجنبية غادرت المغرب وحلت محلها رؤوس أموال وطنية مغربية. وبناء على هذه الحركية، لا يمكن العودة إلى الوراء بسهولة والسماح بدخول فاعلين جدد دون تنظيم؛ إذ إن “إعادة تنظيم النظام المصرفي تأخذ بعين الاعتبار منح الأولوية للرأسمال الوطني أولا”.

وبالحديث عن نماذج مثل “البيتكوين” أو البنوك الرقمية، أورد الخبير المالي أن عملية التقنين يجب أن تصدر عن المشرع المغربي، ويتطلب الأمر أولا إحداث تغيير وتطوير في البنية التشريعية القائمة. فالأمر لا يتعلق ببنوك عادية، بل بظهور جيل جديد من البنوك الرقمية المعروفة بـ “Neo-banks”.

وتابع الفقير بأن المجال البنكي المغربي يسمح حاليا بهذا الجيل الجديد من البنوك والتوجهات الحديثة. وقد قام أحد البنوك المغربية مؤخرا، وتحديدا التجاري وفا بنك، عبر إطلاق خدمة “سيمبل” (Simple)، بتقديم نموذج مماثل لبنك “ريفولوت”، معتبرا أن هذا يؤكد أن “المنظومة الوطنية قادرة على مواكبة التطور الرقمي داخليا”.

ولا يمكن للفاعل الأجنبي، وفق المهدي الفقير، الدخول بهذه السهولة؛ وعند تقديم طلب لبنك المغرب، تبقى له الصلاحية الكاملة في القبول أو الرفض. وإذا رفض بنك المغرب منح الترخيص لـ “ريفولوت”، فذلك لأسباب وجيهة تمنع حدوث مشاكل أو إغراق في السوق المصرفي، مشددا على أن “البنك المركزي هو الرقيب الأدرى والأعلم بالأولويات الوطنية لحماية القطاع”.

The post بنك "ريفولوت" في المغرب .. بين التريث التنظيمي ومتطلبات المنافسة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress