‬أحداث سبتة.. لاجئون من غزة وأفغانستان يكشفون الوجه الآخر للعبور الجماعي

رغم أن أزمة العبور الجماعي للمهاجرين إلى سبتة السليبة ارتبطت في وسائل الإعلام والسياسة الإسبانية بأرقام غير مسبوقة، وبنقاشات حادة حول أمن الحدود والهجرة غير النظامية، فإن خلف آلاف الوجوه التي وصلت إلى المدينة خلال الأيام الماضية تختبئ قصص إنسانية مختلفة، لا تنتمي جميعها إلى الهجرة الاقتصادية، بل ترتبط بالحروب واللجوء والاضطهاد السياسي.

وفي تقرير ميداني نشرته صحيفة “إل موندو” الإسبانية، من محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين في سبتة، سلطت الضوء على نماذج لمهاجرين فلسطينيين وأفغان وجدوا أنفسهم وسط موجة العبور الأخيرة، بعدما دفعتهم ظروف الحرب أو الخوف من الاضطهاد إلى البحث عن ملاذ آمن داخل الأراضي الإسبانية.

وتصف الصحيفة محيط المركز بأنه تحول إلى فضاء مكتظ بمئات المهاجرين الذين نصب بعضهم أكواخا مؤقتة من الأغصان والبلاستيك، بينما افترش آخرون الأرض أو الطرقات في انتظار دورهم للدخول إلى المركز، وسط اكتظاظ غير مسبوق جعل كثيرا منهم يقضون أياما في العراء.

وفي هذا المشهد تبرز قصة ثلاثة أشقاء فلسطينيين قدموا من قطاع غزة، هم أحمد ومحمد وعبد الله زيدا، الذين التقوا مجددا بعد رحلة طويلة فرقت بينهم قبل أن تجمعهم سبتة.

وقال أحمد، البالغ من العمر 26 سنة، إن حلمه الأول اليوم هو تقديم طلب اللجوء السياسي في إسبانيا، موضحا أنه ينتظر دوره للدخول إلى مركز الإقامة بعدما حصل على رقم تسجيل من الصليب الأحمر الإسباني، وأضاف أن الموظفين أخبروه بأنه قد يضطر إلى الانتظار عدة أيام خارج المركز قبل أن يسمح له بالدخول، وهو الأمر نفسه الذي ينتظر شقيقه محمد، البالغ من العمر 18 سنة.

وأوضح أحمد أن الشقيقين وصلا إلى سبتة سباحة قبل نحو أسبوعين، أي قبل موجة العبور الجماعي الأخيرة، بعدما استغرقت رحلتهما البحرية نحو ثماني ساعات انطلاقا من شاطئ مدينة الفنيدق، وأكد أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يصل فيها إلى إسبانيا، إذ سبق أن عاش في مدريد سنة 2017، وأقام في مدينة فوينلابرادا، حيث التحق لفترة بأكاديمية نادي أتلتيكو مدريد لكرة القدم، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا أملا في مواصلة مسيرته الرياضية.

غير أن السلطات الألمانية أبعدت أحمد لاحقا، لينتهي به المطاف مع والدته وإخوته في مدينة طنجة، بينما بقي والده داخل قطاع غزة، الذي يقول إنه لم يعد صالحا للحياة بسبب الحرب، وأضاف: “والدي مازال هناك تحت القصف، أما نحن فلم يعد بإمكاننا العودة. غزة دمرت بالكامل، وكل ما نريده اليوم هو أن تمنحنا إسبانيا فرصة جديدة”.

وأشار اللاجئ ذاته إلى أن للعائلة أقارب يقيمون بالفعل في إسبانيا، بينهم خالتان تعيشان في فوينلابرادا وماربيا، معربا عن أمله في أن تتمكن والدته هي الأخرى من الوصول إليهم مستقبلا.

أما الشقيق الأصغر عبد الله، البالغ من العمر 17 سنة، فكانت رحلته مختلفة، إذ غادر طنجة قبل ساعات فقط من موجة العبور الجماعي الأخيرة بحثا عن شقيقيه اللذين سبقاه إلى سبتة.

ووسط آلاف الأشخاص الذين دخلوا المدينة في ذلك اليوم تمكن عبد الله من الوصول إلى الجانب الإسباني، قبل أن ينجح الأشقاء الثلاثة في اللقاء مجددا بعد أيام من الانقطاع، في مشهد وصفته الصحيفة بأنه من أكثر القصص الإنسانية تأثيرا داخل مخيمات المهاجرين.

لكن هذا اللقاء لم يدم طويلا، إذ أوضحت “إل موندو” أن أحمد عاد بعد نشر التقرير ليتواصل مع الصحيفة، مؤكدا أن شقيقه القاصر أعيد إلى مدينة الفنيدق، رغم اعتقاد العائلة في البداية أنه سيستفيد من إجراءات حماية القاصرين غير المرفقين.

وفي زاوية أخرى من محيط المركز التقت الصحيفة برجلين أفغانيين، هما نجيب، البالغ من العمر 30 سنة، ونجيب الله، البالغ 38 سنة، اللذان يعيشان في ظروف صعبة بين الأشجار، بعدما تعذر عليهما دخول مركز الإيواء بسبب الاكتظاظ.

وقال نجيب الله إنهما غادرا أفغانستان قبل نحو ثلاثة أشهر هربا من حكم حركة طالبان، موضحا أن رحلتهما بدأت بالسفر إلى طاجيكستان، قبل أن يستقلا طائرة إلى المغرب، ثم ينتقلا إلى مدينة الفنيدق بعد متابعتهما صور العبور إلى سبتة عبر شاشات التلفزيون.

وأضاف المتحدث ذاته أن طالبان أغلقت المشروع التجاري الذي كان يملكه، وأن البقاء في بلاده أصبح يعني تعريض حياته للخطر، لذلك قرر المغادرة بحثا عن الحماية الدولية.

وأكد اللاجئ نفسه أن أحدا لم يشرح لهما بعد الإجراءات اللازمة لتقديم طلب اللجوء أو دخول مركز الإقامة، مضيفا أنهما سيواصلان الانتظار مهما طال الوقت.

ورفض الرجلان الظهور بوجهيهما أمام عدسة المصور، مؤكدين أن نشر صورهما قد يعرض عائلتيهما في أفغانستان للخطر. وقال نجيب الله: “إذا عرفوا أننا هنا فقد ينتقمون من أقاربنا”، وزاد وهو يشير بيده إلى عنقه: “لم نهرب من الحرب فقط، نحن هربنا من الموت، ولا نستطيع العودة ما دامت طالبان تحكم البلاد”.

وكانت حركة طالبان استعادت السلطة في أفغانستان خلال غشت 2021، بعد انسحاب القوات الأمريكية، وهو ما دفع آلاف الأفغان إلى مغادرة البلاد خوفا من الملاحقات والقيود التي فرضتها الحركة.

وتكشف هذه القصص وجها آخر للأزمة التي تعيشها سبتة، إذ لا تضم موجة العبور مهاجرين مغاربة فقط، وإنما أيضا أشخاصا قدموا من مناطق تشهد نزاعات مسلحة أو أوضاعا إنسانية بالغة الصعوبة، مثل قطاع غزة وأفغانستان والسودان، ويعتبر كثير منهم أن هدفهم الأساسي ليس الهجرة الاقتصادية، وإنما الحصول على الحماية الدولية.

وفي وقت يتركز النقاش السياسي داخل إسبانيا حول حماية الحدود، والتحقيق في ظروف العبور الجماعي، وتشديد الإجراءات الأمنية، تبرز هذه الشهادات أن خلف الأرقام والإحصاءات أفرادا يحمل كل منهم قصة مختلفة، وأن جزءا من الوافدين يرون في سبتة محطة أولى في رحلة لجوء طويلة، أكثر من كونها مجرد بوابة للوصول إلى أوروبا.

وتعكس هذه الروايات أيضا تعقيد الأزمة التي تواجهها السلطات الإسبانية، إذ تختلط فيها ملفات الهجرة غير النظامية بطلبات اللجوء الإنساني، بينما يفرض الاكتظاظ داخل مراكز الاستقبال تحديات إضافية أمام المؤسسات المكلفة بدراسة أوضاع الوافدين وتحديد الفئات التي تستحق الحماية الدولية وفقا للقانون الإسباني والاتفاقيات الدولية.

The post ‬أحداث سبتة.. لاجئون من غزة وأفغانستان يكشفون الوجه الآخر للعبور الجماعي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress