بين ضغوط ترامب وتهديدات إيران... كيف يتشكّل قرار سوريا تجاه لبنان؟
تضيق حلقة الضغوط حول دمشق مع كل تصريح أميركي، وتهديد إيراني، وتحذير تركي من تداعيات أي تدخل في لبنان. وفي المقابل، لا يزال الغموض يحيط بآلية اتخاذ القرار داخل مؤسسات الحكم السورية، ولا سيما بعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التزامات قال إن نظيره السوري أحمد الشرع قدمها بشأن "حزب الله"، من دون أن يكشف مضمونها.
وتعكس الأحاديث المتداولة في بعض المجالس الخاصة لقيادات سورية تفاوتاً واضحاً في المعلومات. ففي حين ينفي بعض المسؤولين وجود أي نية للتدخل في لبنان، يؤكد آخرون بثقة أن هذا التدخل "آتٍ لا محالة". وقد يشير هذا التباين إلى أن الملف محصور ضمن دائرة ضيقة، أكثر مما يعكس خلافاً حقيقياً حيال القرار، وخصوصاً داخل جيش تشكل من فصائل متعددة لم تندمج قياداتها بعد في بنية عسكرية متجانسة، ما يجعل حصر الملفات الحساسة بعدد محدود من المسؤولين أمراً مفهوماً.
ولاحظت "النهار"، خلال أحاديث أجرتها في أوقات مختلفة مع ضباط في الجيش السوري، أن المنتمين سابقاً إلى "هيئة تحرير الشام" أو الفصائل المتحالفة معها هم الأكثر ثقة بأن الدخول إلى لبنان بات مسألة وقت. في المقابل، يتمسك الخطاب الرسمي الصادر عن المستويات العليا في وزارتي الدفاع والخارجية بالموقف الديبلوماسي المعلن، الذي ينفي التحضير لأي تدخل عسكري، ويترك الباب مفتوحاً أمام التفاهم مع "حزب الله" إذا اقتضت مصلحة البلدين ذلك.
تكشف هذه الفجوة أن ما يدور في الكواليس لم يصل بعد إلى معظم المستويات العسكرية والسياسية، أو أن دمشق تتعمد الحفاظ على خطابين لمواجهة ضغوط متعارضة.
وينقل تقرير لهيئة البث الإسرائيلية "كان" عن مصدر أمني سوري أن قرار التدخل في لبنان لم يُتخذ بعد، رغم إعداد أجهزة الأمن خططاً ضد "حزب الله" يمكن تنفيذها عند الحاجة، وتلقي المستويات العليا توجيهات بالتحرك ضد أي وجود للحزب وإحباطه.
وبذلك، تبدو الاستعدادات الجارية أقرب إلى إعداد خيارات جاهزة بانتظار القرار السياسي، لا إلى حسم مسبق بفتح جبهة لبنانية.

"ميليشيا إرهابية"
وفي السياق، اكتسب وصف وزارة الداخلية السورية "حزب الله" بأنه "ميليشيا إرهابية" أهمية تتجاوز إعلان ضبط شحنة الأسلحة على الحدود العراقية، ولا سيما أن الإعلان تزامن مع إعادة هيكلة القيادة الأمنية والاستخبارية.
ونقل الخبير الأمني العراقي فاضل أبو رغيف أن السلطات السورية أطلقت سراح سائق الصهريج الذي أخفيت فيه الحمولة. وإذا صحت هذه المعلومة، فإنها تثير تساؤلات حيال مسار التحقيق والجهة الحقيقية التي تعود لها الشحنة، لكنها لا تلغي الدلالة السياسية للإعلان نفسه. فقد أدرجت دمشق، للمرة الأولى، "حزب الله" في رواية أمنية رسمية بوصفه تنظيماً إرهابياً يستخدم الأراضي السورية لنقل السلاح، في خطوة قد تمهد لتحول في طريقة تعاطيها مع الحزب، يتجاوز مجرد ضبط الحدود.
واشنطن ترسم الدور... وغموض سوري
رفع ترامب مستوى الضغط عندما أعلن، خلال استقباله الرئيس اللبناني جوزاف عون، أن الشرع "يرغب في الدخول والقيام بشيء" ضد "حزب الله"، معتبراً أنه سيكون فعالاً لأنه قاتله طويلاً. لكنه لم يوضح حدود هذا "الدخول"، كما لم يتطرق إلى التحفظ الذي نُسب إلى عون على أي وجود عسكري سوري داخل لبنان.
وتعزز هذا التوجه مع وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو "حزب الله" بأنه عدو للحكومة السورية يعمل على تقويضها، في حين تجنبت دمشق اعتماد هذا التوصيف، وأبقت باب التفاوض مع الحزب مفتوحاً.
وبذلك، لم تعد واشنطن تضغط على سوريا للقيام بدور معين فحسب، إنما تعدت ذلك إلى رسم طبيعة هذا الدور، وتحديد هوية عدوها المفترض.
وفي موازاة ذلك، بدأ الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي ينتقل إلى مرحلة التنفيذ، فيما وصفت المندوبة الأميركية لدى مجلس الأمن دوروثي شيا سوريا بأنها "قائد إقليمي" في مواجهة "داعش" و"حزب الله". كما تتداول دوائر أميركية تصوراً متدرجاً يبدأ بتعزيز دور الجيش اللبناني داخل بلاده، ويضع سوريا على خطوط الإمداد الشرقية، من دون أن يتحول هذا التصور حتى الآن إلى سياسة أميركية معلنة، في ظل استمرار إصرار ترامب على دور سوري أوسع.

تركيا تحذر... وإيران ترفع كلفة الخيار
لا يزال احتمال دخول الجيش السوري إلى لبنان يثير قلق إسرائيل، التي تريد إضعاف "حزب الله" من دون أن ترى النفوذ السوري أو التركي يتمدد إلى حدودها الشمالية.
أما أنقرة، فترغب في تقليص النفوذ الإيراني، لكنها تخشى في الوقت نفسه استنزاف سلطة تعتمد عليها في تثبيت نفوذها داخل سوريا، لذلك تدفع نحو حصر دور دمشق بضبط الحدود وخطوط الإمداد، من دون الانخراط في مواجهة عسكرية داخل لبنان.
في المقابل، بدأت طهران برسم كلفة أي تحرك سوري حتى قبل تصريحات ترامب الأخيرة. فقد هدد علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، بأن حصار "حزب الله" من الجبهة السورية سيستدعي رداً من "قوى المقاومة" داخل سوريا.
وسبق ذلك إعلان طهران استهداف قاعدة التنف، بما منح هذه التهديدات بعداً عملياً يتجاوز الخطاب السياسي.
وفي هذا المناخ، بدا اتصال الشرع بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والدعوة إلى خفض التصعيد، محاولة لتحديد حدود المهمة التي يمكن أن تضطلع بها دمشق، ومنع انتقال أي رد إيراني إلى الأراضي السورية.
حتى الآن، لا تشير المعطيات إلى أن دمشق حسمت قرار التدخل في لبنان، لكنها تكشف أن هامش رفضه يضيق تدريجاً. فواشنطن تنسب إلى الشرع رغبة لا يعلنها، وأنقرة تحذره من كلفة الذهاب بعيداً، فيما تلوح طهران برد على أي تحرك يستهدف "حزب الله". وبين هذه الضغوط المتعارضة، تبدو أجهزة الدولة والجيش منشغلة بإعداد الخيارات، فيما يتشكل القرار النهائي تحت تأثير توازنات إقليمية ودولية، بقدر ما يتشكل داخل دمشق نفسها.