«فلكية جدة»: أغسطس يجمع كسوفًا شمسيًا نادرًا وذروة «البرشاويات» وخسوفًا قمريًا عميقًا

أكد رئيس الجمعية الفلكية بجدة، المهندس ماجد أبوزاهرة، أن شهر أغسطس 2026 يحمل مجموعة استثنائية من الأحداث الفلكية، تجعله واحدًا من أكثر شهور العام ثراءً لعشاق رصد السماء، إذ يجمع بين كسوف شمسي كلي نادر، وذروة واحدة من أشهر زخات الشهب السنوية، إلى جانب فرص مميزة لرصد الكواكب والكوكبات الصيفية، فضلًا عن احتمال ظهور مستعر نجمي «نوفا» في النظام النجمي «تي كورونا بورياليس»، الذي يترقبه الفلكيون منذ أشهر.

وأوضح أن الشهر يشهد كذلك عددًا من الظواهر المرتبطة بحركة القمر، أبرزها وصوله إلى لحظة الاقتران لشهر ربيع الأول، بالتزامن مع حدوث كسوف كلي للشمس، إضافة إلى وصول القمر إلى طور البدر في نهاية الشهر، بالتزامن مع خسوف قمري جزئي عميق.

كسوف كلي يتزامن مع «البرشاويات»

وأشار أبوزاهرة إلى أن أبرز أحداث أغسطس يتمثل في تزامن الكسوف الشمسي الكلي مع ذروة نشاط زخة شهب البرشاويات، في حدث فلكي نادر، إذ يحدث الكسوف يوم الأربعاء 12 أغسطس، إلا أنه لن يكون مشاهدًا من السعودية أو بقية الدول العربية.

ويمتد مسار الكسوف الكلي عبر شريط ضيق من سطح الأرض، يبدأ بالقرب من القطب الشمالي، ثم يعبر الحافة الشرقية لغرينلاند والجزء الغربي من آيسلندا، قبل أن يصل إلى شمال شرق إسبانيا، وينتهي في جزر البليار بالبحر المتوسط.

وتعد مناطق شمال إسبانيا من أكثر المناطق كثافةً سكانيةً الواقعة ضمن مسار الكسوف، حيث سيتمكن الراصدون هناك من مشاهدة مرحلة الكسوف الكلي التي تستمر لنحو دقيقتين، ومن المشاهد النادرة التي قد تحدث، وإن كان احتمالها ضعيفًا، ظهور أحد شهب البرشاويات الساطعة أثناء ظلام الكسوف الكلي، وهو ما سيشكل، في حال حدوثه، مشهدًا سماويًا استثنائيًا.

وبينما ستكون مرحلة الكسوف الكلي محدودة جغرافيًا، فإن كسوفًا شمسيًا جزئيًا سيكون مشاهدًا من مناطق واسعة من العالم، تشمل معظم أوروبا، وأجزاءً من شمال غرب أفريقيا وكندا، إضافة إلى جزء صغير من الولايات المتحدة، وبعض دول المغرب العربي.

كسوف عربي طويل في 2027


وبين أبوزاهرة أن الكسوف الشمسي الكلي يتزامن مع وصول القمر إلى لحظة الاقتران لشهر ربيع الأول، وذلك يوم الأربعاء 12 أغسطس 2026، عند الساعة 08:37 مساءً بتوقيت مكة المكرمة، مشيرًا إلى أن الاقتران يحدث بعد غروب الشمس وغروب القمر في مكة المكرمة في ذلك اليوم.

وبناءً على الحساب الفلكي، سيكون الخميس 13 أغسطس المتمم لشهر صفر، فيما تكون الجمعة 14 أغسطس غرة شهر ربيع الأول.

وأوضح أن هذا التزامن يبرز العلاقة المباشرة بين حركة القمر والكسوفات الشمسية، إذ لا يمكن أن يحدث كسوف للشمس إلا عندما يكون القمر في مرحلة الاقتران، ويمر بالقرب من إحدى عقدتي مداره، فيحجب ضوء الشمس كليًا أو جزئيًا عن مناطق محددة من سطح الأرض.

ولفت إلى أن محبي الكسوفات الكلية لن ينتظروا طويلًا، إذ سيشهد العالم العربي، في 2 أغسطس 2027، واحدًا من أطول الكسوفات الشمسية الكلية خلال القرن الحادي والعشرين، ويمتد مساره عبر أجزاء من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بما في ذلك مصر والسعودية واليمن.

وستصل فترة الكسوف الكلي إلى نحو ست دقائق في بعض المواقع، وهي مدة استثنائية توفر فرصًا واسعة للرصد العلمي والتصوير الفلكي.

«البرشاويات».. ذروة مثالية للرصد


وعلى عكس الكسوف الشمسي، ستكون زخة شهب البرشاويات متاحة للرصد من معظم أنحاء العالم، شريطة صفاء السماء والابتعاد عن مصادر التلوث الضوئي.

وأوضح أبوزاهرة أن البرشاويات تبدأ نشاطها تدريجيًا خلال النصف الثاني من يوليو، ثم يزداد معدل ظهور الشهب خلال أوائل أغسطس، وصولًا إلى ذروة النشاط في الساعات الأولى من صباح 13 أغسطس.

وتتميز ظروف الرصد هذا العام بأنها مثالية تقريبًا، إذ لن يتسبب ضوء القمر في التأثير على مشاهدة الشهب خلال ليلة الذروة، ما يوفر سماءً مظلمةً مناسبةً للرصد، خصوصًا في المواقع البعيدة عن أضواء المدن.

وفي موقع مظلم تمامًا، يمكن مشاهدة ما يصل إلى 100 شهاب في الساعة، فيما يظل بالإمكان رؤية عدد جيد من الشهب من المناطق التي تعاني تلوثًا ضوئيًا متوسطًا.

ويعد أفضل وقت للرصد من بعد منتصف الليل وحتى قبيل الفجر، عندما يكون موقع الراصد على سطح الأرض في الجهة المواجهة لاتجاه حركة الأرض حول الشمس، ما يزيد من احتمال اصطدام الغلاف الجوي بجسيمات المذنب.

وسميت الزخة بالبرشاويات لأن الشهب تبدو ظاهريًا وكأنها تنطلق من اتجاه كوكبة برشاوس «حامل رأس الغول»، التي ترتفع في الأفق الشمالي الشرقي بعد منتصف الليل، إلا أن الشهب يمكن أن تظهر في أي جزء من السماء، لذلك يُنصح بالنظر إلى أكبر مساحة ممكنة من السماء، بدلًا من التركيز على الكوكبة وحدها.

الزهرة وزحل والمشتري والمريخ


وفي سماء المساء، يواصل كوكب الزهرة تألقه بوصفه ألمع جرم سماوي بعد الشمس والقمر، حيث يظهر بسهولة فوق الأفق الغربي بعد غروب الشمس بفترة وجيزة، ورغم انخفاضه السريع نحو الأفق وغروبه بعد وقت قصير، فإنه يبقى من أسهل الأجرام السماوية التي يمكن التعرف عليها بسبب لمعانه الشديد.

وسيظل الزهرة معروفًا باسم «نجمة المساء» خلال الأشهر المقبلة، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى سماء الفجر في أوائل نوفمبر.

وبعد منتصف الليل، يظهر كوكب زحل بوصفه أحد أبرز الأجرام اللامعة في السماء الجنوبية الشرقية، كنقطة مضيئة ثابتة لا تومض مثل النجوم، فيما يمكن، باستخدام تلسكوب صغير، مشاهدة حلقاته الشهيرة، إلى جانب عدد من أقماره التي تظهر كنقاط ضوئية صغيرة حول الكوكب.

وقبيل شروق الشمس بقليل، يشرق كل من المشتري والمريخ فوق الأفق الشرقي، ليضيفا مشهدًا لافتًا إلى سماء الفجر، بالتزامن مع بدء ظهور كوكبات الشتاء تدريجيًا، في إشارة إلى اقتراب تغير المشهد السماوي مع تعاقب الفصول.

«نوفا» محتملة قد تضاهي لمعان النجم القطبي


ويحمل أغسطس احتمالًا فلكيًا آخر يتمثل في ترقب وصول ضوء انفجار مستعر «نوفا» في النظام النجمي الثنائي «تي كورونا بورياليس»، الواقع في كوكبة الإكليل الشمالي، على مسافة تقارب 3000 سنة ضوئية من الأرض.

ويتكون النظام من قزم أبيض شديد الكثافة يدور حوله عملاق أحمر، حيث يسحب القزم الأبيض الغاز من النجم المرافق، ومع تراكم المادة على سطحه قد يصل النظام إلى حالة حرجة تؤدي إلى انفجار نووي حراري على سطح القزم الأبيض، فيزداد لمعانه بصورة مفاجئة، فيما يعرف بظاهرة المستعر «النوفا».

وفي حال حدوث الانفجار، قد يصل لمعان «تي كورونا بورياليس» إلى مستوى يقارب لمعان النجم القطبي «بولاريس»، لكنه سيبقى بهذا السطوع لبضعة أيام فقط، قبل أن يبدأ في الخفوت تدريجيًا.

ويمكن البحث عنه بعد اختفاء الشفق المسائي في الأفق الجنوبي الغربي، وقد يكون رصده بالعين المجردة ممكنًا إذا بلغ اللمعان المتوقع، فيما يوفر استخدام المنظار الثنائي رؤية أوضح.

درب التبانة.. لوحة صيفية في سماء أغسطس


ولا تقتصر روعة سماء أغسطس على الشهب والكواكب، إذ تعد هذه الفترة من أفضل أوقات العام للتعرف على عدد كبير من الكوكبات والنجوم اللامعة بالعين المجردة.

وفي الأفق الجنوبي تبرز كوكبة العقرب، التي يسهل التعرف عليها من شكلها، ويتوسطها النجم الأحمر العملاق «قلب العقرب»، أحد ألمع نجوم سماء الليل، وإلى الشرق منها تقع كوكبة القوس، التي يشبه ترتيب نجومها شكل «إبريق الشاي»، وتشير إلى الاتجاه العام لمركز مجرة درب التبانة.

وفي المواقع البعيدة عن التلوث الضوئي، يظهر شريط درب التبانة ممتدًا عبر السماء كحزام ضبابي باهت، وهو، في الحقيقة، الضوء المتجمع لمئات المليارات من النجوم التي تتكون منها مجرتنا.

وفي السماء الشمالية الغربية يظهر الدب الأكبر، وإلى جواره الدب الأصغر، وفي نهاية مقبضه يلمع النجم القطبي «بولاريس»، الذي يشير إلى اتجاه الشمال الجغرافي.

أما في السماء الشمالية الشرقية، فتبرز كوكبة ذات الكرسي «كاسيوبيا» على هيئة الحرف W، وهي من أكثر الكوكبات سهولة في التعرف عليها، وتساعد الراصدين في تحديد مواقع عدد من النجوم والأجرام السماوية المحيطة بها.

كما يُرصد «مثلث الصيف» فوق الرأس خلال أمسيات أغسطس، وهو من أشهر الأنماط النجمية في السماء، ويتكون من ثلاثة نجوم لامعة هي: النسر الواقع «فيغا» في كوكبة القيثارة، والنسر الطائر في كوكبة العقاب، وذنب الدجاجة في كوكبة الدجاجة.

ويمثل مثلث الصيف دليلًا للتجول بين الكوكبات، كما يقود إلى العديد من السدم والعناقيد النجمية التي يمكن رصد بعضها باستخدام المناظير أو التلسكوبات الصغيرة.

«قمر المرزم».. بدر أغسطس


وأشار أبوزاهرة إلى أن القمر يصل إلى طور البدر يوم 28 أغسطس، عند الساعة 07:18 صباحًا بتوقيت مكة المكرمة، ويحمل بدر أغسطس، في إطار مبادرة «أسماء البدر» التي أطلقتها الجمعية لإحياء التراث الفلكي العربي، اسم «قمر المرزم»، نسبة إلى نجم المرزم «الشعرى اليمانية»، أحد أشهر النجوم التي ارتبط ظهورها لدى سكان الجزيرة العربية قديمًا بمعرفة المواسم والأنواء.

وتعكس هذه التسمية العلاقة العميقة بين الإنسان في الجزيرة العربية والسماء، إذ كانت النجوم علامات هادية تساعد على متابعة تغيرات الفصول ودورة السنة.

خسوف قمري عميق نهاية الشهر


ويقدم القمر في نهاية أغسطس عرضًا فلكيًا إضافيًا، إذ يشهد العالم خسوفًا قمريًا جزئيًا عميقًا يوم 28 أغسطس، يدخل خلاله أكثر من 96% من قرص القمر داخل ظل الأرض، فيكتسب معظم سطحه لونًا أحمر قاتمًا نتيجة انكسار أشعة الشمس ومرورها عبر الغلاف الجوي للأرض قبل وصولها إلى القمر.

وسيكون الخسوف مشاهدًا من مناطق واسعة تشمل شرق المحيط الهادئ، وأمريكا الشمالية والجنوبية، وأوروبا وأفريقيا.

كما سيتمكن الراصدون في الأجزاء الغربية من السعودية وعدد من الدول العربية من مشاهدة بداية الخسوف الجزئي قبيل غروب القمر، إلا أن ذروة الخسوف ستحدث بعد غروب القمر بالنسبة لهذه المناطق، وبالتالي لن تكون جميع مراحل الظاهرة مرئية منها.

وعلى عكس كسوف الشمس، فإن خسوف القمر آمن تمامًا للمشاهدة بالعين المجردة، فيما تكشف المناظير والتلسكوبات تفاصيل أوضح للتدرجات اللونية التي تظهر على سطح القمر أثناء الخسوف.

كوكبات الشتاء تلوح قبل الفجر


ومع اقتراب نهاية الليل خلال أغسطس، يبدأ المشهد السماوي في الإعلان عن اقتراب فصل جديد، إذ تظهر قبل الفجر مجموعة من أشهر كوكبات الشتاء فوق الأفق الشرقي، ومن أبرزها كوكبة الجبار «أوريون»، تليها كوكبة الثور، ثم كوكبة التوأمين، التي تضم النجمين اللامعين كاستور وبولوكس.

ويمنح هذا التداخل بين الكوكبات الصيفية التي تغرب في الغرب والكوكبات الشتوية التي تشرق في الشرق منظرًا سماويًا لافتًا، يذكر بأن تغير الفصول لا يقتصر على الطقس على الأرض، بل يمتد أيضًا إلى المشهد النجمي الذي يتبدل تدريجيًا على مدار العام.

وأكد أبوزاهرة أن أغسطس 2026 سيبقى واحدًا من أكثر شهور العام ثراءً بالأحداث الفلكية، ويمثل فرصة مميزة لعشاق الفلك لاستكشاف السماء والاستمتاع بتنوع مشاهدها، فضلًا عما تكشفه هذه الظواهر من دقة مذهلة في الحركات السماوية التي تربط الأرض والقمر والشمس وبقية أجرام النظام الشمسي ضمن منظومة كونية بالغة الدقة.
اقرأ المقال كاملاً على اليوم السعودية