مدرسة حياة الفهد
مدرسة حياة الفهد
Faika.Mazraani
Tue, 04/28/2026 - 10:39
ما شهدناه خلال وداعِ حياة الفهد لم يكن مجرَّد لحظةٍ عاطفيَّةٍ عابرةٍ، بل كان ظاهرةً إنسانيَّةً تستحقُّ التأمُّل، دفعت الكثيرين للعودةِ إلى البدايات، وكأنَّ الجمهورَ نفسه يُعيد اكتشافَ الحكايةِ من جديدٍ.
هناك، عند نقطةِ البداية، اتَّضحت صورةٌ مختلفةٌ تماماً: فتاةٌ خرجت من بيئةٍ بسيطةٍ، ولم تكن الطرقُ معبَّدةً أمامها، بل كانت مملوءةً بالرفضِ والشكِّ حتى من أقربِ الدوائرِ المحيطة. هي لم تُمنَح فرصاً جاهزةً، ولم تنتظرها، وإنما صنعتها بنفسها.
دخلت حياة مجالاً كان حضورُ المرأةِ فيه محدوداً ومحاطاً بالحساسيَّاتِ الاجتماعيَّة، ومع ذلك كسرت الحواجزَ مبكِّراً، وفرضت حضورها حتى أصبحت اسماً أساسياً في الدراما الخليجيَّة. لم تملك رفاهيَّةَ الدعمِ، أو التعليمِ الأكاديمي، لكنَّها امتلكت شيئاً أهم: وعيها بذاتها، وقدرتها على التطوُّرِ المستمرِّ، فنافست كبارَ النجومِ، وأصبحت اسماً أوَّلَ، يتقدَّمُ الصفوفَ في المسرحِ، والتلفزيونِ، والكتابةِ على حدٍّ سواء.
وعلى امتدادِ أكثر من ستَّةِ عقودٍ، ظلَّ اسمها نظيفاً من أي ضجيجٍ خارج الفنِّ. لم تُعرَف بجدلٍ، ولا ارتبطت بخصوماتٍ، بل بقيت وفيَّةً لمسارها حتى تحوَّلت تجربتها إلى ما يُشبه المدرسةَ الفنيَّةَ المتكاملةَ التي لم تُؤثِّر فقط في أدوارها، بل وأيضاً في إعادةِ تشكيلِ ملامحِ الدراما الخليجيَّةِ، إذ أخذت الأدوارُ النسائيَّةُ بُعداً أعمقَ، وأصبحت أكثر حضوراً وتأثيراً، وكأنَّها فتحت باباً واسعاً، تبعها من خلاله الجميع.
كلُّ مَن عمل معها يتحدَّثُ عن تلك الطاقةِ التي تجمعُ الناسَ حولها، وعن قدرتها على دعمِ الآخرين ومساعدتهم على التطوُّر. كانت قريبةً من الجميع، فهي الصديقةُ، والمرشدةُ، والركيزةُ التي يلجؤون إليها في لحظاتِ الحيرة.
ستون عاماً من الحضورِ المتواصلِ دون أن تخفت النجوميَّةُ، وهو أمرٌ نادرٌ في عالمٍ سريعِ التبدُّل. وكما شكَّل عادل إمام حالةً مصريَّةً استثنائيَّةً، حافظت على بريقها عبر الزمنِ، كانت حياة الحالةَ الكويتيَّةَ المضيئةَ التي تُشبهها في الاستمراريَّةِ، والتأثيرِ، والقدرةِ على البقاءِ في القمَّة.
المشهدُ الأبرزُ الذي بقي عالقاً في الأذهانِ، هو الوداع. بدا الجمهورُ وكأنَّه يُودِّع فرداً من عائلته، وهذا لوحده يكشفُ طبيعةَ العلاقةِ التي بنتها عبر السنين. علاقةُ حياة بالجمهورِ لم تكن تقومُ على الشهرةِ فقط، بل وأيضاً على الصدقِ، والقربِ، والتراكمِ الإنساني، والتواضعِ الذي كان جزءاً أصيلاً من شخصيَّتها، وجزءاً من السرِّ الذي جعل كلَّ هذا الحبِّ يبدو طبيعياً، وكأنَّه الامتدادُ الحقيقي لمسيرةٍ بدأت بصمتٍ، واستمرَّت بثباتٍ، وانتهت بمشهدٍ لا يُنسى.
منال الحصيني
الكاتب
سهى الوعل
Publication Date
Tue, 04/28/2026 - 10:39
سهى الوعل
مقالات