لماذا يعيش صنّاع القبح أجمل حياة؟!
لماذا يعيش صنّاع القبح أجمل حياة؟!
Faika.Mazraani
Sun, 05/31/2026 - 06:42
استوقفتني قبل أيامٍ تغريدةٌ لأحدِ الصحفيين، يقولُ فيها: إنه دخلَ إلى حسابِ مي عمر ومحمد سامي في إنستجرام فقط ليستعرضَ شكلَ الحياةِ التي يعيشانها.. صورٌ يغلبُ عليها الجمالُ، والهدوءُ، والسعادةُ من كلِّ مكانٍ في العالم، ثم كتبَ جملةً، أثارت ضجةً كبيرةً بين الناس: «إذا كانوا محاطين بكلِّ هذا الجمال، فلماذا لا ينقلان لنا عبر أعمالهما إلا القبح؟».
هذه التغريدةُ انتشرتَ بشكلٍ واسعٍ جداً، ربما لأنها وصفت كيف أن محمد سامي لم يعد بالنسبةِ إلى الكثيرين مخرجاً «محبوباً» بالمعنى التقليدي. الناسُ تُشاهِد أعماله، نعم، لكنها نادراً ما تتفاعلُ معها بمحبَّةٍ حقيقيَّةٍ. التفاعلُ غالباً ما يكون صدمةً، غضباً، أو رفضاً وانتقاداً، لأن الناسَ لديها قناعةٌ بأن أعمالَ سامي، ومن قبله خالد يوسف، السببُ في التحوُّلاتِ البصريَّةِ والسلوكيَّةِ التي طرأت على صورةِ الشارعِ، والوعي العام.
المشكلةُ الحقيقيَّةُ لا تكمنُ فقط في نوعيَّةِ الأعمالِ التي تُقدَّم، بل وأيضاً في التناقضِ الذي يراه الجمهورُ بين ما يُقدِّمه صانعُ الفنِّ على الشاشةِ، وما يعيشه هو شخصياً خارجها. الناسُ حين ترى مخرجاً، أو كاتباً يُقدِّم باستمرارٍ عوالمَ غارقةً في القبحِ، والعنفِ، والانهيارِ الأخلاقي، ثم تُشاهِده في المقابلِ يعيشُ حياةً شديدةَ الرفاهيَّةِ، والجمالِ، والاستقرار، يتشكَّلُ لديها داخلَ وعيها سؤالٌ حسَّاسٌ جداً: إذا كان هذا الشخصُ نفسه لا يُريد أن يعيشَ العالمَ الذي يُقدِّمه لنا، فلماذا يصرُّ إذاً على أن نغرقَ نحن فيه كلَّ ليلةٍ؟!
وهنا تحديداً يحدثُ الصدامُ بين «الفنِّ» وبين «صورةِ صاحبه»، فالجمهورُ قد يتقبَّلُ من الفنَّانِ أن يُقدِّمَ واقعاً قاسياً، أو شخصيَّاتٍ مظلمةً، لكنَّه يُصبح أقلَّ تسامحاً عندما يشعرُ بأن هذا القبحَ تحوَّلَ إلى «رأسمالٍ»، يُحقِّق لصاحبه مزيداً من الشهرةِ، والثراءِ، والنفوذ، بينما يترك أثراً نفسياً واجتماعياً ثقيلاً في الذائقةِ العامَّة.
الحقيقةُ، أن هذا الفصلَ ليس سهلاً كما يتصوَّرُ بعضهم، خاصَّةً في عصرِ السوشال ميديا حيث لم يعد الفنَّانُ مجرَّد اسمٍ على «التتر»، بل تحوَّلَ إلى مشروعِ صورةٍ متكاملٍ؛ الناسُ ترى بيتَه، وسفرياته، وعلاقتَه بأسرته، وطريقةَ عيشه، ثم تُقارن كلَّ ذلك بما يُقدِّمه على الشاشة، وكلّما اتَّسعت الفجوةُ بين العالمَين، زاد شعورُ الجمهورِ بالتناقض.
في المقابلِ، لا يمكنُ أيضاً مطالبةُ الفنِّ بأن يتحوَّلَ إلى أداةِ تجميلٍ زائفةٍ للواقعِ، أو أن يتوقَّفَ عن تقديمِ المناطقِ القاسيةِ والمظلمةِ في المجتمع. القضيةُ ليست في نقلِ القبحِ بحدِّ ذاته، بل في الطريقةِ التي يُقدَّم بها، وفي مدى تحوُّله من «تشخيصٍ» إلى «تطبيعٍ». هناك فرقٌ كبيرٌ بين عملٍ يكشفُ التشوُّهاتِ، ليدفعنا للتفكيرِ فيها، وآخرَ يغرقُ في إعادةِ إنتاجها حتى تُصبح مألوفةً، ومستهلكةً، ومجرَّد مادةٍ للمتعةِ البصريَّةِ والصدمة.
الكاتب
سهى الوعل
Publication Date
Sun, 05/31/2026 - 06:42
سهى الوعل
مقالات