يهودٌ يدينون اليهود

تعوّدنا أن يتجنّى المجرمون الصهاينة على الفلسطينيين عامّةً، والمقاومين منهم خاصّةً، ويصفوهم بـ”الإرهابيين” و”المخرّبين” و”المجرمين”، وغيرها من الأوصاف النابية التي تشيطن نضالهم وكفاحهم لتحرير وطنهم… وهو أمرٌ ليس جديدا في تاريخ المحتلين مع حركات المقاومة والتحرُّر، فقد كانت فرنسا تطلق على المجاهدين الجزائريين أوصافا مشابهة، أشهرها “الفلاقة”، وكان المحتلّون الأمريكيون يصفون المقاومين في فيتنام والعراق وأفغانستان بـ”الإرهابيين” و”المتمرّدين”…
لكنَّ هناك تطوُّرًا غير مألوف برز في الأشهر الأخيرة؛ إذ بدأنا نسمع مسؤولين صهاينة يصفون المستوطنين الذين يهاجمون الفلسطينيين يوميا في شتى مدن الضفة الغربية وبلداتها وقراها بـ”الإرهابيين”، وبدأ بعضُ كبار المسؤولين السابقين يستعملون مصطلح “الإرهاب اليهودي”، وفي مقدّمتهم وزير الدفاع الصهيوني الأسبق، موشي يعلون، ورئيس الأركان الصهيوني الأسبق، غادي إيزنكوت. فكلاهما انتقد بشدّة ما يرتكبه المستوطنون في الضفة الغربية يوميا من هجمات منظمة على الفلسطينيين، وبحماية وتشجيع من قوات الاحتلال وشرطته، ولفت إيزنكوت الانتباه إلى أنّ نتنياهو منح صلاحيات الجيش في الضفة لسموتريتش وبن غفير، وهما وزيران متطرفان، أطلقا يد المستوطنين في الضفة الغربية لإرهاب الفلسطينيين والتنكيل بهم يوميا، ما أفضى إلى فقدان تامّ للسيطرة عليهم وانعدام تطبيق القانون والنظام في الضفة الغربية على المستوطنين، الأمر الذي جعل إيزنكوت يحذّر من أن المنطقة على حافة الفوضى، والكيان سيواجه أياما عصيبة ما لم يُعِد نتنياهو السيطرة عليهم إلى الجيش والسماح له بالقضاء على المستوطنين المتطرفين الذين لم يتردّد في وصفهم بـ”العناصر اليهودية الإرهابية العنيفة”.
غير أنّ التطوّر الأبرز حملته رسالةٌ نادرة ومفاجِئة وقّعها، منذ أيام قليلة، نحو 600 مسؤول عسكري وأمني وسياسي ودبلوماسي صهيوني سابق، يتقدّمهم نائبُ رئيس الأركان السابق، ناتان فلنائي، وقد وصفت هذه الشخصيات الصهيونية الرفيعة أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية منذ سنوات، بـ”إرهاب المستوطنين”، وأدانتها بكلّ قوة، وأكّدت أنها تجري برعاية الحكومة الصهيونية التي تمنح هؤلاء المستوطنين حصانة من القانون، ودعت الرئيسَ الأمريكي دونالد ترامب إلى التدخُّل لمنع هذه “الكارثة” كما وصفتها، والضغط على نتنياهو لوقفها بسرعة وحزم قبل أن تستفحل وتؤدّي إلى عواقب وخيمة على أمن “إسرائيل” ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.
وتأتي هذه الإدانات الصهيونية غير المألوفة ضدّ المستوطنين اليهود، لتشكّل شهادات نادرة عن تفاقم جرائمهم في الضفة الغربية منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 إلى اليوم، وإمكانية خروجها عن السيطرة وتسبّبها في تفجير الأوضاع في الضفة، بعد أن استفحلت وبلغ عددها نحو 11 ألف اعتداء وثّقته وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية.
لقد بات واضحا للعيان أنّ الحكومة الصهيونية اليمينية المتطرّفة قد أطلقت أيدي قطعان المستوطنين المسلحين ليهاجموا يوميًّا، في حملات جماعية منظّمة، الفلسطينيين في الضفة الغربية ويطلقوا عليهم النار ويحرقوا بيوتهم وسياراتهم ومساجدهم وأملاكهم ويخرِّبوا مزروعاتهم وأشجارهم المُثمرة وخزّانات مياههم وينهبوا مواشيهم ويرهبوهم بشتى الأشكال، لتهجيرهم والاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم. ويحدث هذا بالتزامن مع منع دخول مساعدات إنسانية كافية لغزة وعرقلة عملية إعادة إعمارها قصد جعلها غير صالحة للحياة وتحويل حياة سكانها إلى جحيم لتيئيسهم بمرور الوقت ودفعهم إلى الهجرة وترك أراضيهم للمستوطنين.
لكنّ مئات المسؤولين السابقين الذين يتحرّكون في الكيان هذه الأيام يُلفتون الانتباه إلى أنّ تمادي المستوطنين في جرائمهم بالضفة قد تكون له نتائج سلبية غير تهجير الفلسطينيين كما تريد الحكومة اليمينية المتطرِّفة؛ إذ قد تندلع انتفاضة فلسطينية ثالثة لا تقلّ ضراوة عن انتفاضتي 1987 و2000، وتخرج الأمور عن السيطرة، وهو تحذيرٌ في محلّه. فإذا اندلعت ستكون أشدَّ بكثير من انتفاضة سنة 2000 المسلحة التي لم تخمد إلا بعد نحو 5 سنوات بتدخّل الرئيس محمود عباس الذي خلف الرئيس المغتال، ياسر عرفات، في نوفمبر 2004. لقد تجاوز عنف المستوطنين تحت حماية الاحتلال وتشجيعه، كل الخطوط الحُمر، وفي ظلِّ سلبية السلطة الفلسطينية وعجزها المطلق عن التعامل مع هذه الظاهرة، والسكوت المخزي لما يُسمَّى “المجتمع الدولي” الذي يعني التواطؤ مع الاحتلال، لم يعُد أمام السكان من خيار سوى الدفاع عن أنفسهم بأيِّ طريقة لحماية حياتهم وأطفالهم وبيوتهم ومزارعهم وأملاكهم.
منذ 7 أكتوبر 2023 إلى اليوم، قتل الجيش والمستوطنون 1182 فلسطيني في الضفّة وجرحوا 12666 وهجّروا 33 ألفا واعتقل الجيش 23 ألفا أخرى. أرقامٌ كبيرة تؤكّد أنّه لم يعُد أمام الفلسطينيين من خيار سوى تفجير انتفاضة ثالثة لردع الصهاينة ومنعهم من تحقيق حلمهم بالسيطرة على الضفة الغربية وتهجيرهم إلى الأردن وإنهاء قضيتهم على الأبد، لكن من يفجِّر هذه الانتفاضة ويقودها؛ فقد تعهّد الرئيس عباس بمنع اندلاعها ما دام حيًّا يُرزق، وتلك هي المعضلة.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post يهودٌ يدينون اليهود appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk