وهيدي تغوص "13 درجة تحت الماء"

سلكت فاطمة وهيدي، القاصة والشاعرة المصرية، في روايتها “13 درجة تحت الماء”، لليافعين والصادرة عام 2025 عن دار روافد بالقاهرة، القاعدة السينمائية المركبة لنجاح فيلم روائي: قصة حب، التشويق والإثارة. هذه القاعدة وزعتها على ثلاثة وعشرين فصلا في الرواية؛ ما جعلها تنهج أسلوب سرد فصول متتابعة ومستقلة في آن واحد.

لقد كانت رحلة فاطمة وهيدي المبدعة من الجيل الجديد ومتنوّعة الإنتاج الأدبي، بين الشعر والقصة والأقصوصة وأدب الطفل، والتي تُرجمت بعض إنتاجاتها الأدبية إلى لغات غربية، إلى جانب مساهماتها في الفعل الثقافي داخل مصر وخارجها. كانت رحلة وهيدي مع الكتابة والنشر ليس جديدة؛ بل منذ مراحل مبكرة. ففي سنة 2011، ظهرت لها مجموعات “تقاسيم على وتر الشّوق” و”لا عزاء للحلم” و”نبضات” و”ثلوج سوداء” و”شذرات عتّقها الهوى”. وفي سنة 2017، أصدرت ديوان شعر “وِرد الغياب”. وفي سنة 2019، نشرت “قبل مشرق الحب بنبضة”. وفي سنة 2021، أطلقت مجموعة قصص قصيرة جدا “قلوب ضالة”، و”ما لن تقوله شهرزاد” سنة 2023.

إن السرد الروائي للكاتبة المصرية فاطمة وهيدي في عملها الروائي الأخير “13 درجة تحت الماء” ينحاز إلى مخاطبة فئة عمرية شبابية بلغة أبانت عنها، من خلال استعمال السهل الممتنع؛ فقد منحت روايتها بعدا شاسعا ومعرفيا يصل أحيانا في فصول الرواية إلى تدقيق قوي يتتبع الجزئيات ومدعوم ببحث معلوماتي في تمرير تواريخ الأزمنة والأماكن والفضاءات المهمة في قالب يسلك توظيف لغة العصر الرقمية.

وقد تجلى هذا الميل في خطاب الرواية في تصفيف هذا البعد المعرفي والطابع العالمي بمزيج من اللغات المتداولة وبحضوره اللافت في ذلك المزيج في أحاديث الشباب، مستعملة الجمل الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والصينية وكلها مكتوبة على صفحات الرواية بأبجديتها الأصلية.

في الوقت نفسه غير غافلة عن البعد الثقافي العالمي من خلال إدراج مقولات وحكم من هذه اللغات في عباراتها الأصلية، سواء الصينية أو الهندية؛ مثل: فاقد الجرأة ينبغي ألا يشتك حظه (مثل هندي).. أو الاستشهاد على لسان الجد بشطر الثاني من بيت لأبي البقاء الرندي:

وَيَمُوتُ بِالحَسَرَاتِ كُلُّ جَبَانِ * وَيَفُوزُ بِاللَّذَّاتِ كُلُّ مُغَامِرٍ

أو على لسان علياء زميلة وأمنية ماجد القلبية: “فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرِ”

أو من بيت للشاعر الأندلسي أبي القاسم السُهيْلي:

لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أو أُدْرِكَ المُنَى * فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرِ

أو مثلا الحكمة الصينية التي تقول: “طائر يقف على الشجرة، لم يخشَ أبدا أن تنقطع فروعها، لأن ما يؤمن به ليس فروع الشجرة، بل جناحيه”، ثم كتبت هذه الحكمة بحروف صينية أصلية.

معانقة حرف الماء

لقد أضفت هذه الجمل والعبارات على الرواية طابع العولمة والمعرفية الثقافية التي لا تعرف الحدود. كما أن وهيدي تعمدت استعمال الحرف الأول من كل الأسماء المشاركة في البعثة الاستكشافية نابعا من الحرف الأول “م” من الماء: ماثيو ـ مارتن ـ ماريو.

“تعجبت جداـ يقول ماجد ـ من هذه المصادفة، وتعجبوا مثلي حينما قلت لهم: اسمي ماجد .. وأسماؤنا تتشابه في الحروف الأولى.

رد ماثيو:

ـ وسبقنا ماركو في الاشتراك معك في الحروف الأولى”.

إن “13 درجة تحت الماء” تحمل رسالة إلى الشباب كدعوة إلى الوعي بالبيئة وما يتهددها من كوارث بعضها لا يطفو فوق سطح الكرة الأرضية؛ ولكن يغوص في أعماق البحار، مثل مشكلة الشعاب المرجانية التي يوضحها بطل الرواية ماجد عند قراءته: “خبرا عن قيام منظمة المحيط البيئية وجمعية تسمى “زيغنا”، تقرع أجراس الخطر حول التدهور غير المسبوق في الشعاب المرجانية الموجودة في البحر المتوسط… كما تحدثوا عن أنه قد لوحظ أن هذه الشعاب بدأت تعاني من “ظاهرة الابيضاض” أي اضمحلال ألوانها الطبيعية الزاهية نتيجة التغيرات المناخية”.

لم تُقصِ وهيدي الفعل الإيجابي لمواقع الاتصال الجديدة، التي أصبحت جد مهمة كأداة للتواصل، إذا وظفت في أغراض إنسانية سامية، كحافز لليافعين، لا للاهتمام بالطبيعة وحدها؛ ولكن بمأساة الشعوب المسلوب حقها؛ يقول ماجد عن المشارِكة الوحيدة في البعثة رشيدة من طنجة:

“وضحكنا عندما حكت لنا رشيدة عن رغبتها في الحصول على الدرع الماسي من You Tube عندما تصل إلى 10 ملايين مشارك على قناتها، وبذلك يكوف عدد المشاركين تجاوز عدد سكان مدينة نيويورك!

ولكننا شعرنا بالخجل، عندما قالت لنا: أن هدفها الأساسي من ذلك هو تخصيص العائد المادي للتبرع لإعادة إعمار مدينة غزة الفلسطينية”.

تستهل فاطمة وهيدي أحداث روايتها بالحديث عن رغبة ماجد في المشاركة في بعثة الكشوف البحرية، عن أسباب هذا المشكل البيئي في عمق البحر الأبيض المتوسط. وانطلاقا من فوزه في المسابقة التي أعلنتها البعثة كمتطوع للمشاركة في هذه البحوث البيئية، تواجهه تحديات وصعوبات؛ أولها أنه لا يزال في صفوف المدرسة الثانوية، وأهمها إقناع أبويه بهذه المشاركة التي لا تخلو من مخاطرة، ما ينتج عن ذلك نقاشات واعتراضات داخل الأسرة وتخوفات وقلق تغذيها أخته مريم بقولها:

ـ “نعم.. بالتأكيد، إنها عصابة دولية، يستدرجون أمثالك، لقتلهم وبيع أعضائهم.

بعد إستراتيجيات حوارية وخطط تستعين بالجوانب العاطفية، يستطيع ماجد الشاب المصري إقناع والديه الأم أولا قبل الأب:

“ارتميت في حضن أمي وسألتها:

ـ هل تشكين في ذكاء ابنك

ـ لا، ولكني أخشى عليك من التورط في شيء قد يؤذيك.

ثم إقناع الأب برغبته في المشاركة في المشروع البيئي من خلال عرض معلوماتي لهذه المشاركة.

ـ في أثناء تصفحي أحد المواقع، لفت نظري مقال عن الشعاب المرجانية، فتذكرت موسوعة “ناشيونال جيوجرافيك التي ابتعتها لي من معرض الكتاب العام الماضي.

يتم إقناع الأبوين تحت شروط محددة، التحقق من هوية البعثة، وأنها بعثة رسمية وليست وهمية.

مدينة اللغة

تقدم لنا الرواية الأب ذا ثقافة ومعرفة واطلاع، رجل يزور معارض الكتب واع ويقض في أسئلته من أجل ضمان عدم تعرض ابنه للخطر في هذه المشارة البيئية، لكنه مع ذلك تبقى شخصية غامضة في الرواية، وظيفته مكانته في المجتمع شخصية غامضة، ما هو عمله؟ كل ما نعرفه عنه هو أن له مكتبا.

ـ لكن أبي لم يخذلني، خرج من مكتبه، ممسكا بمظروف في يده، وأشار لي بإبهامه علامة الموافقة.

بعد تحقق الأسرة من هوية البعثة، يساعده الأب في الحصول على الأوراق اللازمة: جواز السفر، وموافقة الأب، وبقدر مالي من جهة الأبوين. لكن يبقى هم ماجد الكبير هو زميلته في المدرسة علياء، التي يميل إليها كل الميل، ويريد بكل الطرق إثارة انتباهها واجتذاب إعجابها بما سيقدم عليه من مغامرة، وهنا يتجلى العنصر السينمائي الأول قصة حب. وفي رحلته لا ينسى أمله القلبي:

“ولم أنس إرسال رسالة إلى صديقي جاسر، ورسائل عديدة إلى علياء مع بعض الصور التي التقطتها في الأيام السابقة واعتذارا مني لها عن انشغالي.”

لقد أسهبت وهيدي في سرد مشاهد في جزئياتها بشكل دقيق، عند وصول ماجد إلى باريس واللقاء بالمسؤولين عن الرحلة، حيث تزودنا فاطمة وهيدي بمعلومات وافية عن باريس ومحيطها والمطارات وتقسيماتها الإدارية، “نافورة سان ميشيل التي تعد متنفسا لأهالي الحي والزوار، “السوربون في الحي اللاتيني، عن مسجد باريس، عن اللوفر وعن مدينة اللغة، وعن قصر دي فيلييه ـ كوتري، وعن اللغة الأمازيغية التي تتحدثها الفتاة الوحيدة في البعثة رشيدة الطالبة في الصف الثالث الثانوي من المغرب، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية، حيث يسألها مهند أحد المشاركين:

اللغة الأمازيغية!

ـ نعم، هي لغة رسمية في كل من المغرب والجزائر، وتُسمى “تيفيناغ”، وهي فرع من عائلة اللغات الأفرو آسيوية، ولها صلة باللغتين المصرية والأثيوبية القديمة، وتتألف من مجموعة من اللهجات ذات الصلة التي يتحدث بها الأمازيغ.

غير أن معلومات وهيدي ينقصها أن “تيفيناغ “هي أبجدية أمازيغية، وليست اللغة ذاتها.

ثم تحدث المشارك الأخر مهند من السعودية، الذي يقول عن نفسه إنه:

ـ صانع محتوى على Tic Tok، فقد قضيت 7 سنوات في الصين مع أسرتي لارتباط أبي بالعمل في إحدى الجامعات هناك، لذا فإني أتحدث الصينية، وأنجز مقاطع فيديو، في أماكن

مختلفة من الدول التي زرتها، ومن خلالها أقوم بتعليم اللغة الصينية للمبتدئين.

بعد أن يتم التقارب بين المشاركين الثلاثة، رشيدة ماجد ومهند، تتصاعد وتيرة ترقب موعد التصفيات الأخيرة للمشاركة، بتوتر شديد وتنافس معنوي؛ غير أن هذا التوتر والترقب والانتظار يتوج بقرار اللجنة قبول المتطوعين الثلاثة المؤهلين للدورة النهاية، حيث توزع عليهم المهام وتصبح ضرورة التعاون بين المجموعة هو هدف الرسالة، وهذا ما تمرره الرواية بدل التنافس.

تغوص بنا الرواية في أعماق البحر، تصحبنا معها إلى عوالم بيئته العميقة إلى 145 مترا تحت الماء و13 درجة مئوية، تزودنا بمعلومات علمية عن هذا العالم وعن درجة الحرارة فيه تحت الماء، عن مستويات الأوكسجين وعن آليات الغطس.

إن العنصر الثالث من العناصر السينمائية التشويق يتمثل في اختفاء ماجد وهو يقوم بمهمته التطوعية في عمق البحر تسجيل كل ما يشاهده أمامه في أعماق البحر بالكاميرا.

ويظل اختطاف ماجد لغزا تكشف عنه تكنولوجيا الكاميرا التي كان ماجد يشغلها لتوثيق، حيث يعثر عليها الطاقم في قاع البحر، فتهديهم إلى العصابة التي قامت باختطافه. عصابة تتاجر بالمرجان الأسود، ويبقى هذا الفصل ما قبل الفصول الأخيرة مليئا بالتشويق والمغامرة والإثارة كعنصر السينمائي رابع. يسافر والدا ماجد من القاهرة إلى فرنسا لحضور تكريمه من قبل المنظمة ويتبعه احتفال آخر في المدرسة بالقاهرة.

وتكون نهاية هذه التجربة، المليئة بالتشويق والمغامرة والمسؤولية، نهاية سعيدة. وفي الختام، تلجأ وهيدي إلى حيلة روائية ذكية، يتقمص فيها ماجد دور الروائية في توثيق هذه الرحلة وحتى تكون لها صفة المصداقية:

ـ قررت أن أكتب كل ما حدث لي، منذ أن شاركت في هذه المهمة، وعندما حرت في اختيار عنوان لها، نظرت إلى ساعتي، فكانت الحرارة 13 درجة، فتذكرت، وابتسمت، ثم قررت أن يكون العنوان: 13 درجة تحت الماء.

غياب الهوية

لقد عملت الرواية على إيصال رغبة أو رسالة تشجيعية إلى الجيل الصاعد تحفزه على الاهتمام بالبيئة وخاصة في البحر الأبيض المتوسط، كخطاب موجه إلى البشرية وخاصة شباب هذا البحر، وإنذار ناقوس الخطر الذي يواجهه هذا الحوض ضيق المنافذ وذلك على لسان ماجد:

ـ “حينما يشارك شاب صغير في هذه المهمة يا أبي، بالتأكيد سيقوم بنقل خبراته إلى الشباب بشكل أفضل؛ الأمر الذي سيجعل قطاعا كبيرا مهما من جيلنا حريصا على حماية البيئة من الأضرار التي نتسبب فيها دون أن ندري”.

لقد عملت الرواية على تصوير أجواء مفعمة بالانسجام الأسري، والرغبة الشبابية في اختراق عوالم المستحيل والدعوة ليس فقط إلى المصالحة مع الطبيعة، بل إلى الاهتمام بها والعمل على إنقاذها؛ غير أن هوية الإنسان المصري تبقى غائبة في هذه الرواية أو على الأقل مبهمة، فالوسط الاجتماعي الذي تدور فيه أحداث الرواية هو أشبه بالوسط الغربي أو بالأحرى وسط شريحة معينة من مجتمع القاهرة وهو الوسط غير الذي صوره الروائي اليمني، الغربي عمران، أثناء قراءته للرواية:

“في قلب هذا العمل، تنبض صورة لأسرة نموذجية: أب، وأم، وماجد، وأخته الصغيرة مريم، وسط عالم يضج بالاكتظاظ والفقر وتناقص الموارد، تومض هذه الأسرة كرسالة مبطّنة تدعو إلى التوازن والوعي الأسري، يظهر التفاهم بين أفرادها واضحا، وخصوصا في دعمهم لطموح ماجد بعد فوزه بالمسابقة، رغم المخاوف الطبيعية. فهم لا يكتفون بالموافقة، بل يرافقونه بالدعم والتشجيع حتى النهاية، في صورة جميلة عن التكاتف العائلي”.

فهذا الوسط الفقير الذي تحدث عنه الغربي عمران لا يمثله الوسط الذي صورته الرواية، وسط لا يتغذى إلا على البيتزا وآيس كريم وطموحات أخت ماجد مريم: “ولم تكف عن توجيه أسئلة عن رحلتي، ولا عن المشتريات التي يمكن أن أبتاعها لها من المحلات الفرنسية” أو الهدايا التي حصل عليها ماجد من أمه 200 دولار ومن أبيه 500 أورو ومن أخته ساعة ذكية Smart Watch سيكون لها دور في مرحلة اختطافه.

لقد كونت الرواية من خلال فصولها خطابا واعيا يحفز الناشئة على الاهتمام بالبيئة بلغة بعيدة عن التقريرية والخطابة واللغة التعليمة؛ بل صاغت هذا الخطاب في منظومة حوارات حية وتحفيز للناشئة على الإقدام على المغامرة والتطوع من أجل أهداف قيمة، وإن الشباب حين يوظف طاقته الفنية والمعرفية يمكنه اختراق المستحيل والوصول إلى الأهداف النبيلة التي يمكنها أن تعود بالفائدة عليه وعلى مجتمعه وليس البقاء في دائرة الاستهلاك والاستلاب الثقافي الهجين.

The post وهيدي تغوص "13 درجة تحت الماء" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress