"وماذا قلت؟"... النميمة فنٌّ في بينالي البندقية
تحتلّ النميمة منذ زمن طويل مكانةً ملتبسة في الثقافة؛ إذ تُختزل في كونها انشغالاً في تفاصيل لا طائل منها، بل وحتى ضعفاً أخلاقياً. غير أنّ علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين والباحثين في الدراسات النسوية حاججوا بأنّ النميمة تحملت وزناً أكبر بكثير؛ فهي تنقل المعرفة عندما تلتزم السرديات الرسمية الصمت، وتبني مجتمعات خارج إطار المؤسسات، وتتداول التحذيرات، وتحفظ الذكريات، بل وتتحدى السلطة أحياناً.
تضع الفنانة تاوس مخاتشيفا هذه القوة الثقافية في صميم عملها "وماذا قلت؟" (2026)، وهو عرض أدائي جديد أُنجز بتكليف خاص ويقدّمه الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة ضمن الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون في بينالي البندقية. وتحوّل مخاتشيفا النميمة من كلامٍ تافهٍ إلى رقصٍ حركيٍّ، ومنحوتة، وصوت، وتجربة اجتماعية، مقترحةً أنّ الشائعات والهمسات والمحادثات غير الرسمية تُعدّ من أقدم تقنيات التواصل التي ابتكرها الإنسان.

يأتي العمل ضمن معرض "وشوشة"، تحت إشراف القيّمة الفنّية بانة قطّان بمساعدة القيّمة الفنّية تالا نصّار، ليُوسّع أحد الأسئلة المحورية التي يطرحها الجناح: كيف تنتقل الأصوات، وما أنواع التاريخ التي تبقى حيّة عبر الصوت بدلاً من الأرشيفات؟ ويحمل عنوان المعرض (وشوشة) نفسه دلالةً على أنّ المعنى كثيراً ما يكمن في ما يُقال همساً لا في ما يُعلن على الملأ.
النميمة أداة لإنتاج المعرفة
تتناول مخاتشيفا هذا الموضوع من خلال تركيب فني مؤلف من جزأين. يبدأ الزائر بمواجهة مقعد تفاعلي مزوّد بحجيرات مخفية، وأزياء، وإكسسوارات، وسماعات رأس تغمره بطبقات من الحوارات، والمونولوغات الداخلية، والتأملات السردية حول الوظائف المتعدّدة للنميمة. ثم يتحول هذا التركيب إلى عرض حيّ تحلّ فيه الحركة محلّ الكلام، بحيث تنتقل الأفكار التي تحملها الكلمات عادةً عبر الأجساد بدلاً من اللغة المنطوقة.

وتُسنِد الكوريغرافيا إلى ثلاثة راقصين هوياتٍ متميزة: المصدر، والانتشار، والجوهر. ولا يقتصر دور المؤدين على تجسيد تسلسل بسيط لانتقال المعلومات، بل يجسّدون دورة حياة النميمة نفسها. فنرى الشائعات تدخل الجسد، وتتغيّر بفعل التكرار، وتستقر في الذاكرة الجمعية، ثم تختفي في نهاية المطاف أو تتحول إلى شيء جديد تماماً. وهكذا تغدو النميمة أشبه بكائن بيولوجي؛ شيء يُستنشق، ويُهضم، ثم يدور عبر العلاقات الإنسانية.
النميمة "كوريغرافيا اجتماعية"
يعكس هذا التأويل الجسدي مجمل الممارسة الفنّية لمخاتشيفا، التي تستكشف الحدود غير المستقرة بين الحقيقة التاريخية والخيال الثقافي. فكثيراً ما تتناول أعمالها كيفية تشكّل الهويات وتوارثها وأدائها، متسائلةً عمّن يملك سلطة رواية التاريخ، وأيّ الأصوات تبقى خارج دائرة السماع.

وتوسّع القيّمة الفنية بانا قطان هذا الطرح معتبرة أنّ النميمة "كوريغرافيا اجتماعية"، إذ تؤدّي دوراً فاعلاً في تشكيل العلاقات وصون الذاكرة. ويجمع "وشوشة" ستة فنانين تستكشف ممارساتهم المشهد الصوتي المعاصر للإمارات من خلال الهجرة، والتاريخ الشفهي، واللغة، والتكنولوجيا، والهوية. وبدلاً من تقديم الإمارات عبر سرديات وطنية تقليدية، يسلّط الجناح الضوء على الأشكال الأكثر هدوءاً لانتقال الثقافة؛ الهمسات، واللهجات، والمحادثات، والشذرات التي تتراكم عبر الأجيال والمجتمعات. ومن هذا المنطلق، ينسجم الجناح مع أحد أبرز التوجهات التي طبعت الدورات الأخيرة من بينالي البندقية، والمتمثل في الاهتمام المتزايد بالتراث غير المادي.
وتعزّز المنحوتات المرافقة للعرض هذه الفكرة. فهناك أشكال نحاسية تجريدية، ومنحوتات قابلة للارتداء تشبه الحلي، وأدوات إصغاء ممدودة، وإكسسوارات مصممة بعناية تبدو في الوقت نفسه أثرية ومستقبلية. وتشبه هذه الأشكال لُقىً من حضارة مجهولة، بينما تؤدي وظيفة امتدادات مسرحية للجسد.

يأتي هذا العرض في إطار المشاركة الـ15 للإمارات في بينالي البندقية، والتاسعة لها في المعرض الدولي للفنون، بما يعكس الحضور المتزايد والثقة المتنامية للدولة في مشهد الفن المعاصر العالمي. غير أنّ "وشوشة" يختار الألفة بدلاً من الاستعراض في التعبير عن الهوية الثقافية، فيمنح الإصغاء أولوية على الإعلان، والالتباس على اليقين، والحوار على الضخامة التذكارية.