وحش اسمه بن غفير
احتاجت فرنسا إلى فيديو مهين لمعتقلين مقيّدي الأيدي كي تتذكر أن إيتمار بن غفير ليس “سياسياً مثيراً للجدل”، بل أحد أكثر وجوه الفاشية الإسرائيلية وقاحة وعنفاً، واحتاجت أوروبا إلى مشهد ناشطين أوروبيين جاثين على الأرض حتى تدرك متأخرة أن الرجل الذي استقبلته العواصم الغربية وزيراً شرعياً لم يكن سوى نسخة معاصرة من دعاة التطهير القومي الذين أنجبتهم أكثر الحركات تطرفاً في التاريخ الحديث.
الفيديو الذي نشره بن غفير بنفسه لم يكن زلة سياسية ولا اندفاعاً انفعالياً، كان بياناً أيديولوجياً كاملاً، الوزير الإسرائيلي ظهر كمن يحتفل بإذلال بشر عزل، يلوّح بالعلم الإسرائيلي أمام معتقلين مكبلين، يبتسم بينما تُدفع ناشطة بعنف إلى الأرض، ويردد شعارات قومية فوق رؤوس أشخاص جرى تحويلهم إلى مادة للاستعراض السياسي.
لم يكن المشهد بعيداً عن صور الأنظمة التي طالما ادعى الغرب أنه يحاربها باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، الفرق الوحيد أن الفاعل هذه المرة وزير إسرائيلي، ولذلك احتاجت العواصم الأوروبية إلى وقت طويل كي تعترف بما تراه عيون العالم يومياً منذ سنوات.
الحقيقة التي تحاول أوروبا الهروب منها أن بن غفير لم يصعد رغم عنصرية إسرائيل، بل صعد بسببها، لم يكن طارئاً على النظام السياسي الإسرائيلي، بل أحد أبنائه الأكثر صدقاً، الرجل الذي علّق صورة باروخ غولدشتاين في منزله، ودافع عن طرد العرب، وحرّض علناً ضد الفلسطينيين، لم يخفِ مشروعه يوماً، ومع ذلك ظل شريكاً مقبولاً لدى الغرب، يستقبل رسمياً، وتُناقش معه الملفات الأمنية، ويُتعامل معه كوزير طبيعي داخل “دولة ديمقراطية”.
كل ذلك لأن الضحية كان فلسطينياً.
حين كان الفلسطيني يُسحل عند الحواجز، أو يُعتقل بلا محاكمة، أو يُقصف داخل غزة، كانت البيانات الأوروبية تخرج باردة ومجردة ومليئة بالتوازن المنافق، أما حين ظهر أوروبيون داخل المشهد نفسه، تحركت باريس وروما ومدريد فجأة، كأن الإهانة تصبح أكثر فداحة فقط عندما تمس مواطناً غربياً، وهذه ليست أزمة سياسة فحسب، بل أزمة أخلاق كاملة تكشف أن الغرب لا يزال ينظر إلى الدم الفلسطيني باعتباره أقل قيمة سياسياً وإنسانياً.
فرنسا التي أعلنت منع بن غفير من دخول أراضيها تعلم جيداً أن ما فعله الرجل ليس حادثة استثنائية، بل السلوك الطبيعي لحكومة إسرائيلية انتقلت بالكامل تقريباً إلى أقصى اليمين، حكومة لم تعد تخجل من خطاب الإبادة والتهجير والعقاب الجماعي، وزراء فيها يدعون علناً إلى محو غزة، وتجويع سكانها، وتوسيع الاستيطان، وفرض السيادة بالقوة، ثم يخرج الغرب ليحدث العالم عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.
أي دفاع هذا الذي يتحول فيه وزير أمن إلى مهرج قومي يتباهى بإذلال المعتقلين أمام الكاميرات.
أي ديمقراطية هذه التي يصبح فيها التحريض على الكراهية طريقاً مضموناً نحو السلطة.
وأي نفاق سياسي يسمح لعواصم غربية بمواصلة تسليح ودعم حكومة تضم شخصيات كان يمكن، في أي مكان آخر، التعامل معها باعتبارها خطراً على السلم الأهلي والدولي.
حتى بنيامين نتنياهو، الذي حاول التنصل من تصرف بن غفير، لا يملك حق ادعاء الصدمة، فالرجل لم يأتِ من الشارع إلى الوزارة، بل جرى إدخاله عمداً إلى قلب السلطة لأنه يمثل المزاج الحقيقي لتحالف اليمين الإسرائيلي الحالي، وكل محاولة لتقديمه كعبء أخلاقي منفصل عن الدولة ليست سوى خدعة سياسية رخيصة، لأن المشكلة ليست في بن غفير وحده، بل في إسرائيل التي أنجبته، وروّجت له، ومنحته الشرطة والسلاح والمنابر والسلطة.
المثير للسخرية أن أوروبا تتحدث اليوم عن فرض عقوبات على بن غفير، وكأن المشكلة تختزل في شخص واحد، بينما تستمر العلاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية مع حكومة كاملة تشارك يومياً في إنتاج المشهد نفسه الذي أثار هذا الغضب المفاجئ، كأن المطلوب فقط معاقبة الوجه الأكثر فجاجة، ثم مواصلة التعامل مع البنية التي تصنع الفجاجة نفسها.
الفيديو الأخير لم يكشف وحشية بن غفير فقط، بل كشف انهيار الرواية الغربية القديمة عن “الديمقراطية الإسرائيلية”، لأن الديمقراطيات لا تحتفي بإذلال الأسرى، ولا تصنع من الكراهية برنامج حكم، ولا تحول التعصب الديني والقومي إلى عقيدة دولة، ما يجري اليوم داخل إسرائيل ليس انحرافاً مؤقتاً، بل تحوّل عميق ينقل المجتمع والدولة معاً نحو نسخة أكثر تطرفاً وعدوانية وانغلاقاً.
لهذا يبدو القرار الفرنسي متأخراً إلى حد السخرية، فبن غفير لم يتغير، الذي تغير هو مستوى الإحراج الدولي فقط، الرجل قال دائماً ما يفكر فيه، لكن الغرب كان يفضّل تجاهل الحقيقة ما دام الثمن يدفعه الفلسطيني وحده، أما الآن، وبعد أن أصبحت صور الإذلال والعنف تنتشر في كل شاشة وهاتف، صار من الصعب سياسياً الدفاع عن شخص يجسد بصورة فظة كل ما تحاول أوروبا الادعاء بأنها ترفضه.
المشكلة أن بن غفير ليس النهاية، بل البداية فقط، لأن إسرائيل التي دفعت بهذا النموذج إلى الواجهة لم تعد تخشى شيئاً، لا القانون الدولي، ولا الإدانات، ولا الغضب الشعبي العالمي، وهي تدرك أن الغرب، مهما رفع صوته أحياناً، سيواصل في النهاية توفير الغطاء السياسي والعسكري الكامل.
لهذا فإن منع وزير متطرف من دخول باريس لن يغيّر شيئاً في جوهر المشهد، لأن القضية لم تعد مرتبطة برجل منفلت، بل بدولة تتجه بسرعة نحو تطرف أكثر تنظيماً وعلنية، وبغرب يكتشف متأخراً جداً أن الوحش الذي ساهم في حمايته وتبرير أفعاله خرج أخيراً من القفص، ولم يعد يحاول حتى إخفاء أنيابه.
The post وحش اسمه بن غفير appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.