وجوه مذعورة ومدن خالية .. "سينما الطاعون" تستعرض الخوف العالمي
لا تكمن “سينما الطاعون” في كونها مجرد سرد بصري عن مرضٍ يعبر الأجساد، بقدر ما هي اختبار فكري وأخلاقي لحدود الإنسان حين يُجرَّد من يقينه اليومي. إنها سينما اللحظة التي ينهار فيها النظام الرمزي للعالم، ويصبح الخوف لغة مشتركة، والعزلة قانونًا غير مكتوب. فما الذي يبقى من الذات حين يُختزل الإنسان في جسد قابل للعدوى؟ وأين تقف الحرية عندما تُعلَّق باسم النجاة؟ وهل يكشف الوباء طبيعة الإنسان أم يصنعها من جديد؟ وتتعذر نسقية هذه السينما لأنها تتقاطع مع التاريخ والطب والسياسة والميتافيزيقا في آن واحد، فتتحول إلى فضاء أسئلة أكثر من كونها فضاء أجوبة. إنها سينما القطيعة مع البطولة، ومع السرد الخطي، ومع وهم السيطرة. وكما يهمس أحد الأطباء في Outbreak (1995) – “تفشّي” – قائلًا: “العدو ليس الفيروس، وإنما الذعر الذي نطلقه بأيدينا”. وتفتح هذه العبارة باب الرعب… وباب التفكير معًا.
عدسة مكبِّرة لهشاشة الإنسان
تنبثق “سينما الطاعون” بوصفها جنسًا سينمائيًا عابرًا للأنواع، يتقاطع فيه التاريخي بالوجودي، والبيولوجي بالسياسي، والواقعي بالرمزي. إنها ليست سينما المرض فحسب، بل هي سينما الكَشْف؛ حيث يصبح الوباء عدسة مكبِّرة تكشف هشاشة الإنسان، وتعرّي البنى الاجتماعية، وتفضح تواطؤ السلطة أو عجزها. وفي هذا الأفق، يتحول الطاعون من حدثٍ طبي إلى استعارة كبرى عن الخوف والعزلة والمصير المشترك.
وتنتمي هذه السينما إلى تخوم الدراما التاريخية، والخيال العلمي، والرعب النفسي، والسينما الفلسفية. غير أن نوعيتها لا تُختزل في الإثارة أو الكارثة، وإنما تتأسس على سؤال الإنسان حين يُسحب منه يقينه اليومي. ولا يعتبر الجسد هنا أداة فعل، بل هو في موقع اختبار؛ والمدينة ليست فضاء حياة، بل هي مختبر أخلاقي. لذلك، تتكرر قصص الحجر، والانهيار البطيء للنظام، وتحوّل العلاقات الحميمة إلى مصادر شك.
وتشتغل سينما الطاعون على إشكاليات كبرى: معنى المسؤولية الفردية، حدود التضامن، أخلاق النجاة، والعلاقة الملتبسة بين العلم والسلطة. وفي فيلم Contagion (2011) – “عدوى” – يُقدَّم الوباء بوصفه شبكة علاقات عالمية؛ تنتقل العدوى مع الطيران والأسواق واللمس العابر. ويقول أحد الشخصيات: “نحن لا نخاف من الفيروس بقدر ما نخاف مما سيفعله بنا”. وتختصر هذه العبارة أطروحة الفيلم: الخطر الحقيقي هو انهيار الثقة. وهنا، السردية كونية، تتعدد الأصوات، ويُستبدل البطل الفردي ببطلٍ جماعي هش.
أما في The Seventh Seal (1957) – “الختم السابع” لإنغمار برغمان – فيغدو الطاعون خلفية ميتافيزيقية لسؤال المعنى. ويواجه الفارس الموت في لعبة شطرنج، فيما يعبر الوباء القرى كقدرٍ صامت. وتقول الشخصية: “إيماني صمتٌ ثقيل”، فتتجلى رؤية سينما الطاعون للذات: إنسانٌ يبحث عن معنى في عالمٍ بلا إجابات جاهزة. السرد هنا تأملي، يعتمد الرموز واللقطات الثابتة، ويجعل الصمت لغةً ثانية.
وفي المقابل، تتخذ هذه السينما طابعًا واقعيًا فَجًّا في Outbreak (1995) – “تفشّي” – حيث يُعاد إنتاج الصراع بين المعرفة العلمية والقرار العسكري. وهنا الأطروحة سياسية بامتياز: من يملك الحق في إدارة الجسد الجمعي؟ ومن يقرر من ينجو؟ ويقول الطبيب: “العلم لا يقتل، لكن الخوف يفعل”، لتظهر سينما الطاعون كفضاء نزاع بين الحقيقة والدعاية.
دراما تسكن الهامش
تتكرر قصص هذا الجنس السينمائي بصيغ متعددة: مدينة تُغلق، عائلة تتفكك، عاشقان يفصل بينهما الحجر، طبيب ممزق بين واجبه وخوفه، وسلطة تبحث عن السيطرة عبر الإخفاء. في Blindness (2008) – “العمى” – المقتبس من رواية الكاتب ساراماغو، يتحول الوباء إلى فقدان بصري جماعي، واستعارة عن العمى الأخلاقي. وتقول المرأة الوحيدة التي ترى: “كنا عميانًا حتى قبل أن نفقد بصرنا”. وهنا، الطاعون يكشف الحقيقة بدل أن يخفيها.
وتستمد سينما الطاعون خلفياتها الفلسفية من الوجودية، والعبث، وأدب الكوارث، ومن تاريخ الأوبئة بوصفه تاريخًا للسلطة على الجسد. وتحضر أفكار الكاتب ألبير كامو بوضوح، حيث الطاعون امتحان للكرامة اليومية. أما على المستوى الثقافي، فتُعيد هذه السينما قراءة الطقس، والعزل، والوصم الاجتماعي، وتفكك صورة “الآخر” بوصفه ناقلًا للخطر. أما على المستوى المجتمعي، فتُبرز هشاشة الفئات المهمشة، وتفضح اللامساواة في فرص النجاة.
وتميل بنية هذه السينما السردية غالبًا إلى التعدد والتشظي، أو إلى العزلة المركّزة على شخصيات قليلة. والزمن فيها ضاغط، دائري، يتكرر فيه الانتظار. وتتشكل الهوية الفيلمية عبر ألوان باردة، فراغات صوتية، لقطات لمدن خالية، ووجوه مقنّعة؛ جماليات تُحوّل الخوف إلى إيقاع بصري. وتقترب الكاميرا من التفاصيل الصغيرة: يدٌ ترتجف، نظرةٌ مترددة، بابٌ يُغلق، لتقول إن الدراما الحقيقية تسكن الهامش.
وفي الأفلام الأحدث، مثل Songbird (2020) – “طائر مغرّد” – تتداخل الرومانسية مع الديستوبيا، ويصبح الحب فعل مقاومة داخل نظام مراقبة شامل، حيث تقول البطلة: “نحن أحياء لأننا نخاطر”، فتُستعاد أطروحة الحياة كاختيار أخلاقي، لا كمعطى بيولوجي. وأما فيلم The Painted Veil (2006) – “الحجاب الملوّن” – فيُعيد الطاعون إلى سياق حميمي؛ علاقة زوجية تتطهر عبر مواجهة الموت، حيث تقول الشخصية: “تعلّمتُ أن أحب حين لم يعد الحب آمنًا”.
وتكمن أهمية سينما الطاعون في قدرتها على إعادة تعريف التاريخ بوصفه تجربة معيشة، لا سردية منتصرة. إنها سينما تُعلّمنا أن الأشخاص العاديين هم مركز الحدث، وأن الحياة لا تُقاس بعدد الناجين وإنما بنوعية التضامن. رؤيتها للحياة مشروطة بالوعي، وللأشخاص بوصفهم كائنات قابلة للكسر، وللتاريخ كمسارٍ غير خطي من الأخطاء والتعلّم.
في المحصلة، سينما الطاعون ليست نبوءةً سوداء، بل هي تمرين أخلاقي وجمالي على النظر في المرآة حين يختفي العالم المألوف. إنها سينما تُذكّرنا بأن الوباء عابر، لكن الأسئلة التي يطرحها عن الإنسان، والذات، والمعنى، باقية… ما بقيت السينما قادرة على الإصغاء لارتجاف القلب البشري.
ذاكرة الخوف والجماعة
تتجسد قوة “سينما الطاعون” في مشاهدها الجمالية، تلك اللحظات التي تنفصل عن السرد المباشر لتغدو صورًا راسخة في الذاكرة الجمعية. ولا تعتبر هذه المشاهد زينة جمالية، بل هي اختزال بصري لأزمة الإنسان حين يُختبر وجوده على حافة الفناء. ويتأسس المشهد الجمالي في هذا الجنس السينمائي في لحظة توقف التاريخ، حين يتكثف الخوف في صورة واحدة، وتصبح الكاميرا شاهدًا أخلاقيًا.
وتتكرر صورة المدينة الفارغة بوصفها أيقونة مركزية. في أفلام حديثة مثل The Empty Man (2020) – “الرجل الفارغ” – أو Station Eleven (2021) – “المحطة الحادية عشرة” – تتجول الكاميرا في شوارع بلا بشر، إشارات المرور تعمل بلا معنى، والمتاجر مفتوحة بلا زبائن. وهذه اللقطة لا تقول إن البشر اختفوا فقط، بل إن الزمن نفسه فقد وظيفته، حيث تقول إحدى الشخصيات: “لم يعد هناك غدٌ نؤجله”، جملة تختصر إشكالية الزمن المعلّق في سينما الطاعون.
ويكتسب مشهد القناع، أو الوجه المحجوب، دلالة جمالية أخرى. في Contagion (2011) – “عدوى” – حيث تصبح الكمامة حاجزًا بين الذوات، وتتحول الملامسة إلى جريمة محتملة. أما في Songbird (2020) – “طائر مغرّد” – فالقناع يخرج من وظيفته الصحية ليصير أداة سياسية، علامة امتثال أو تمرّد، حيث تقول البطلة: “حين يُخفى الوجه، تُختبر الحقيقة”، وذلك في إحالة إلى إشكالية الهوية حين يُختزل الإنسان في احتمالية العدوى.
الحياة كعلاقة مؤقتة مع الخطر
من أكثر المشاهد رسوخًا في هذه السينما، لحظة العزل القسري. باب يُغلق، شريط أصفر يُمدّ، أو شاحنة تُقلّ المرضى إلى المجهول. في Blindness (2008) – “العمى” – يتحول الملجأ الصحي إلى جحيم أخلاقي، حيث تنهار القيم مع انهيار النظام. والمشهد الذي تقف فيه المرأة الوحيدة التي ترى وسط العمى العام يُلخّص أطروحة الفيلم: “الوباء لا يُصيب الجسد وحده، بل يختبر الضمير”.
وتُعيد سينما الطاعون، باستمرار، صياغة مشهد الموت الجماعي، لا بوصفه نهاية، وإنما كاعتياد صادم. في The Painted Veil (2006) – “الحجاب الملوّن” – يُقدَّم الموت في خلفية رومانسية هادئة، حيث تتجاور الجنائز مع لحظات الحب الصامت، لتقول البطلة: “تعلّمت أن أعيش حين صار الموت جارًا يوميًا”. وهنا، الإشكالية ليست الخوف من الموت، وإنما تطبيعه داخل الحياة اليومية.
تتخذ المشاهد الجمالية طابعًا تكنولوجيًا واضحًا. فهي شاشات تُحصي الأرقام، تطبيقات تتبع، أصوات تنبيهات لا تنقطع. في Host (2020) – “المضيف” – يُختزل الوباء في شاشة حاسوب، وتتحول العزلة إلى رعب رقمي. والمشهد الذي تنقطع فيه الصورة فجأة ليس خدعة تقنية، بل هو استعارة لانقطاع التواصل الإنساني، حيث تقول إحدى الشخصيات: “نحن معًا، لكننا وحدنا”، عبارة تُجسّد إشكالية القرب الافتراضي والبعد الوجودي.
ومن أكثر الإشكاليات حضورًا في هذه المشاهد، مسألة الأخلاق تحت الضغط. هل تُبرر النجاة خيانة الآخر؟ في The Girl with All the Gifts (2016) – “الفتاة ذات كل الهدايا” – يُطرح سؤال التضحية عبر جسد طفلة تحمل الأمل والتهديد معًا. والمشهد الذي تختار فيه البطلة نهاية العالم القديم لصالح بداية جديدة يُجسّد أطروحة قاسية: “أحيانًا، لا يولد المستقبل إلا من رماد الحاضر”.
وتكتسب سينما الطاعون أهميتها من قدرتها على تحويل هذه المشاهد إلى ذاكرة ثقافية مشتركة. إنها تُعلّمنا كيف ننظر إلى التاريخ من زاوية الهشاشة، وكيف نفهم الحياة بوصفها علاقة مؤقتة مع الخطر. والمشهد الجمالي لا ينتهي بانطفاء الشاشة، وإنما يستمر في وعينا، يذكّرنا بأن الإنسان، حين يُحاصر، لا يُعرَف بقوته، وإنما بخياراته.
ولا تبحث “سينما الطاعون” عن إثارة الرعب بقدر ما تسعى إلى تربية حسٍّ أخلاقي بصري. إنها سينما تُصوّر الخوف كي نفهمه، وتُجسّد العزلة كي نعيد التفكير في معنى الجماعة، وتتركنا أمام صورة أخيرة، غالبًا صامتة، تقول بلا كلمات إن الحياة، مهما ضاقت، تظل ممكنة ما دام السؤال مفتوحًا.
مرآة المجتمع والسلطة
يُعاد تعريف البطل في “سينما الطاعون” خارج منطق البطولة الكلاسيكية، حيث لا نكاد نعثر على منقذ خارق أو قائد منتصر، وإنما على إنسان عادي، هش، محاصر بالخوف والشك، يجد نفسه فجأة في قلب اختبار أخلاقي. الطبيب، الممرضة، الأم، أو الفرد المعزول، جميعهم أبطال بلا يقين. وفي Contagion (2011) – “عدوى” – لا يتقدم بطل واحد إلى الواجهة، بقدر ما تتوزع البطولة على شبكة من الذوات القلقة، حيث يقول أحد العلماء: “أقصى ما أستطيع فعله هو أن أكون صادقًا”، لتصبح الصدقية، لا الشجاعة، معيار البطولة. وأما في Songbird (2020) – “طائر مغرّد” – فيتحول العاشق الهارب إلى بطل سلبي، لا يسعى إلى إنقاذ العالم، وإنما إلى حماية علاقة إنسانية صغيرة من طاحونة السلطة.
ولا يعتبر المكان في سينما الطاعون خلفية محايدة، بل هو كائن درامي مكتمل. وتتحول المدينة إلى جسد مريض، الشوارع شرايين فارغة، والمنازل خلايا مغلقة. وفي فيلم Station Eleven (2021) – “المحطة الحادية عشرة” – يتبدل المكان من مسرح مكتظ إلى فضاء صامت، حيث تقول إحدى الشخصيات: “العالم لم ينتهِ، لكنه نسي صوته”. وهنا، المكان يحتفظ بذاكرة البشر حتى بعد غيابهم، ويصير شاهدًا على هشاشة الحضارة. أما المستشفيات ومراكز الحجر فتُقدَّم بوصفها فضاءات سلطة، تختلط فيها الرعاية بالمراقبة.
طبقية المرض وسوق سوداء للخلاص
واجتماعيًا، تكشف “سينما الطاعون” عن تصدعات عميقة في بنية المجتمع. وتتراجع فكرة الجماعة لصالح النجاة الفردية، وتظهر بوضوح آليات الوصم، والعنصرية، وإلقاء اللوم على “الآخر”. وفي Blindness (2008) – “العمى” – يتحول العزل الصحي إلى مختبر لانهيار العقد الاجتماعي، حيث يقول أحد الشخصيات: “حين نفقد القوانين، نكتشف كم كنا نعتمد عليها”. ولا يعتبر الطاعون هنا سبب الفوضى، وإنما محفزها الكاشف.
وسياسيًا، تضع هذه السينما السلطة تحت المجهر. الحجر، الطوارئ، وحالة الاستثناء تتحول إلى أدوات حكم. وفي فيلم Songbird، تُستثمر الجائحة لتكريس نظام مراقبة شامل، حيث يقول أحد المسؤولين: “الأمان لا يحتاج إلى موافقة”. وهذا القول يلخص إشكالية الحرية حين تُعلَّق باسم الحياة. ولا تدين سينما الطاعون السياسة بقدر ما تُعرّي هشاشة توازنها بين الحماية والقمع.
واقتصاديًا، تُظهر هذه الأفلام أن الوباء ليس ديمقراطيًا كما يُشاع. وفي فيلم Contagion، تتفاوت فرص النجاة تبعًا للموقع الاجتماعي، بينما في Locked Down (2021) – “مغلق تمامًا” – يصبح الحجر اختبارًا لاقتصاد الهشاشة، حيث يقول أحد الشخصيات: “الفقر لا يعرف الحجر”. ويكشف الطاعون عن طبقية المرض، وعن سوق سوداء للخلاص.
ونفسيًا، تغوص سينما الطاعون في العزلة والقلق والشعور بالذنب. ولا تعتبر الوحدة غياب الآخرين فقط، بل هي غياب المعنى. وفي فيلم Host (2020) – “المضيف” – يتحول الخوف إلى رعب داخلي، وتصبح الشاشة مرآة للذوات المتصدعة. تقول إحدى الشخصيات: “أنا خائفة من نفسي أكثر من المرض”، في إشارة إلى الانهيار النفسي بوصفه وباءً موازيًا.
ورمزيًا، الطاعون استعارة عن فقدان السيطرة، وعن عودة المكبوت الجمعي. والقناع يُخفي الوجه ويكشف الحقيقة، والمدينة الفارغة تُحيل إلى فراغ القيم. وفي فيلم The Girl with All the Gifts (2016) – “الفتاة ذات كل الهدايا” – يحمل جسد الطفلة رمز البداية والنهاية معًا، حيث تقول: “العالم الجديد لا يشبهكم، لكنه سيعيش”.
وجماليًا، تعتمد “سينما الطاعون” على برودة الألوان والفراغات والإيقاع البطيء، لتوليد شعور الاختناق. وتراقب الكاميرا من مسافة، كما لو كانت تخشى الاقتراب. ويصبح الصمت موسيقى، والمدينة لقطة طويلة من الانتظار. ولا تسعى هذه الجماليات إلى الإبهار، وإنما إلى إشراك المتفرج في التجربة الوجودية.
في المحصلة، تقدّم “سينما الطاعون” قراءة شاملة للإنسان في لحظة اختبار قصوى. بطلها هش، ومكانها مريض، وسلطتها مترددة بين الحماية والسيطرة. إنها سينما تُذكّرنا بأن التاريخ لا يُكتب فقط في لحظات الانتصار، بل في تلك اللحظات الصامتة التي يُجبر فيها الإنسان على مواجهة نفسه، بلا أقنعة، في عالمٍ صار فجأة غريبًا.
في خاتمتها، تكشف سينما الطاعون عن كونها أكثر من سجلٍّ للكوارث، إنها مرآة أخلاقية للإنسان حين يُنزَع عنه وهم السيطرة. ولا تكمن إشكاليتها الكبرى في المرض، وإنما في ما يفعله الخوف بالضمير، وبالعلاقة مع الآخر، وبالسلطة التي تتخفّى خلف فكرة الحماية. وهذه السينما تُعيد طرح سؤال المعنى في زمن الهشاشة، وتُذكّر بأن الجماعة تُقاس في أوقات الانكسار لا الرخاء. وكما يقول الفارس في فيلم The Seventh Seal (1957) – “الختم السابع”: “إيماني صمت، لكنني أواصل البحث”. وفي هذا الصمت، تُنهي سينما الطاعون حكايتها مفتوحة على الإنسان.
The post وجوه مذعورة ومدن خالية .. "سينما الطاعون" تستعرض الخوف العالمي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.