"وجوه جديدة" في الأحزاب .. فعالية للاستقطاب أم أزمة في إنتاج النخب؟

تفتح “موجة الاستقطابات” التي شنتها، في الآونة الأخيرة، أحزاب مغربية لأسماء بارزة في المشهد السياسي تساؤلات واسعة حول “واقع إنتاج النخب” بالمغرب.

وقبيل أسابيع من اقتراع 23 شتنبر المقبل، تصدر قدوم فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة المشهد السياسي؛ فيما تعول أحزاب أخرى على خطف قيادات أحزاب منافسة لها.

ثقة المغاربة

رضا بوكمازي، قيادي بحزب العدالة والتنمية، قال إنه “لا يمكن تعميم هذه الظاهرة على جميع الأحزاب السياسية؛ فهناك أحزاب تحترم نفسها وتعمل باستمرار على إنتاج النخب. وعلى الرغم من أن لكل سياسي الحق في اختيار مساره السياسي، فإن الخلل الحقيقي يكمن في تتالي وتكاثر هذه الانتقالات الحزبية قبيل المواعيد الانتخابية”.

وأضاف بوكمازي لهسبريس أن هذه الانتقالات قبيل الانتخابات تُظهر أن بعض الأحزاب تفتقر إلى مشروع سياسي حقيقي، وتساهم بشكل مباشر في إضعاف الحياة السياسية. كما أن هذه الظاهرة تُبرز بروفايلات وشخصيات تسعى إلى تحقيق مصالح نفعية شخصية فقط، بعيدا عن الهدف الأساسي المتمثل في خدمة المواطن.

وتابع القيادي بحزب “المصباح”: “تتجه بعض الممارسات أحيانا إلى إحداث تشريعات على المقاس في البرلمان المقبل بما يخدم طبقة محددة. وعلى الرغم من أن من حق أي حزب سياسي وضع مشروع طموح لتصدر المشهد السياسي وقيادة الحكومة، فإن الإشكال يكمن في طريقة التدبير والتنزيل لهذا الطموح السياسي”.

وبيّن المتحدث عينه أن المشكلة الحقيقية تكمن في تجاوز أهمية المسار التراكمي للمناضلين والمحكوم بالتدرج في الهيئات الحزبية بعيدا عن اللحظات الانتخابية، لافتا إلى أن “الانفتاح على وجوه جديدة، رغم مشروعيته، لا ينبغي أن يلغي التراكم والنضال الحزبي المستمر والمؤسساتي”.

واختتم رضا بوكمازي بأن السياق والتوقيت والطريقة المتبعة في هذه الاستقطابات هي التي تشكل المشكل الأساسي، حيث تعطي انطباعا سلبيا للمواطنين حول أداء وعمل باقي الأحزاب السياسية والممارسة الحزبية بشكل عام.

أهمية المناضلين

عباس الوردي، أكاديمي وخبير في العلوم السياسية والقانون العام، قال إن “استقطاب الأحزاب السياسية لشخصيات معروفة وقامات في الاقتصاد والمال والأعمال، في أفق الانتخابات التشريعية، يعد حقا أصيلا”؛ غير أن هذا الاستقطاب يحتمل قراءات متعددة؛ فإذا كان الاستقطاب سياسيا من أحزاب أخرى ولا يدخل في باب الترحال السياسي، فذلك أمر محمود يُشد به عضد الحزب في إثراء النقاش العمومي وبناء سياسات عمومية قوية.

وأضاف الوردي لهسبريس أن الإشكال الآخر يتعلق باستقطاب التكنوقراط، وهنا يتساءل المرء عن مدى الفائدة التي سيقدمونها للعمل السياسي والحزبي، وما هي الإشارات التي سيمنحونها للناخب الذي يرغب في رؤية قامات وفعاليات حزبية قادرة على صنع الفارق عبر بوابة الانتخابات والمؤسسات الديمقراطية.

وفي هذا الصدد، أبرز الخبير في العلوم السياسية والقانون العام أن الشخص التكنوقراطي تفتقر قراراته غالبا إلى الجرأة والفاعلية السياسية في إدارة التواصل وتحديد الأولويات وتنزيل البرامج، وفق تعبيره.

ويتمثل المقترب الثالث والأكثر خطورة، وفق المتحدث عينه، في حالة الضمور والتراجع التي يصاب بها مناضلو الأحزاب السياسية؛ فلا يعقل أن يتدرج المناضل في مختلف هيئات الحزب، وعندما تأتي الاستحقاقات الانتخابية، يتم اللجوء إلى استقطاب شخصيات لا يعرفها القاصي والداني. وهي ظاهرة تتكرر في العديد من الأحزاب، وتشكل إساءة صريحة إلى العمل السياسي والحزبي المفترض أن يعتمد على أطره الذاتية.

وتابع الوردي: “إن الفصل السابع من الدستور واضح في تأكيده على أن دور الأحزاب السياسية يتمثل في التأطير والتكوين وتدبير بنية الديمقراطية التمثيلية عبر المؤسسات الدستورية. وبالتالي، يجب على هذه الأحزاب أن تطور ميكانيزماتها الداخلية في التأطير والتكوين وأن تثق في مناضليها أولا، بدلا من الهرول نحو الخارج بحثا فقط عمن يجلب الأصوات، لأن ذلك يضرب في العمق جوهر تدبير الشأن العام”.

الأزمة و”البام”

صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، قال إن النقاش “المثبت حول استقطاب “البام” لأسماء محددة يعتبر موضوعا متجاوزا، إذ لا توجد حدود تنظيمية تحدد مستويات الاستقطاب أو تحصر عمر المرشح ومستواه الإداري أو الاجتماعي”، لافتا إلى أن “عملية الاستقطاب مستمرة ومفتوحة داخل كل حزب، ومن حق جميع المواطنين الانضمام إلى العمل الحزبي في أي مرحلة عمرية أو مسار مهني”.

وأضاف عبقري لهسبريس أنه على الرغم من أنهم يفضلون أن يلتحق الشباب بالأحزاب في سن مبكرة لضمان التأطير وتراكم الخبرة لإنتاج نخب مؤهلة، وهو التوجه الذي يعملون على تنزيله، فإن ذلك لا يمنع الحزب من فتح أبوابه للكفاءات الوطنية والاستفادة من خبراتها المتنوعة في مختلف المجالات.

وتابع رئيس شبيبة “البام”: “إن تجربة القيادة الثلاثية داخل حزبنا هي نتاج طبيعي للتدرج في المسؤوليات، كما أن مرشحي الحزب في مختلف الاستحقاقات هم من أبناء التنظيم الذين تدرجوا في هياكله”، مشددا على أن “هذا يعكس واقعيا أن الحزب يمتلك منظومة تكوين مستمرة قادرة على صناعة قيادات ونخب قادرة على تحمل المسؤولية”.

وبيّن المصرح عينه أن استقطاب شخصيات بارزة لا يعني إطلاقا توقف عملية التكوين الداخلي، بل يندرج في إطار دينامية الاستقطاب الطبيعية؛ غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في منح البعض قيادة الحزب ورئاسته لمستقطب حديث، في حين يمتلك حزبنا نماذج ناجحة كينجا الخطاط وفوزي لقجع وأسماء أخرى التحقت بالعمل الحزبي وفق مسار متزن ودخلت المكتب السياسي وليس الرئاسة.

وفي الختام، أوضح عبقري أن الخطر الفعلي الذي يتهدد الفعل السياسي يكمن عندما تكون البنية الحزبية عاجزة بذاتها عن إنتاج النخب وتعتمد كليا على الاستيراد الخارجي. وزاد: “نحن نؤكد جازمين أن حزبنا بعيد كل البعد عن هذا الخلل، بفضل توازنه الدقيق بين الاستقطاب النوعي والتكوين المستمر لمناضليه”.

The post "وجوه جديدة" في الأحزاب .. فعالية للاستقطاب أم أزمة في إنتاج النخب؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress