وثيقة المدينة: أول عقد مدني لتنظيم مجتمع متعدّد في الإسلام

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تُعرف وثيقة المدينة، أو "صحيفة المدينة"، بأنها النصّ السياسي - الاجتماعي الذي وُضع بعد هجرة الرسول العربي محمد من مكة إلى يثرب، التي صارت تُعرف لاحقاً بالمدينة المنوّرة، في 622م تقريباً. 

 

بعض الكتاب المسلمين، ومنهم محمد حميد الله، وصفوا وثيقة المدينة بأنها من أوائل الدساتير المكتوبة في العالم، بل قدّمها حميد الله بعنوان "أول دستور مكتوب في العالم". لكن تاريخياً، لا يمكن تجاهل وجود قوانين ومواثيق أقدم، مثل شريعة حمورابي، وقوانين أثينا وروما، وغيرها.

 

لذلك الأدق أن نقول: وثيقة المدينة من أقدم الوثائق السياسية المكتوبة في التاريخ الإسلامي، ومن أوضح النماذج المبكرة لعقد مدني ينظم مجتمعاً دينياً وقبلياً متعدداً.

من هم أطراف الوثيقة؟
• المهاجرون من قريش: أي المسلمين الذين تركوا مكة وانتقلوا إلى المدينة المنورة.
• الأنصار من أهل المدينة: خصوصاً الأوس والخزرج وبطونهما.
• الجماعات اليهودية وحلفائها: مثل يهود بني عوف، وبني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس، وبني ثعلبة وغيرهم، بحسب الصيغ المنقولة للوثيقة.
• الموالي ومن يلتحق بالجماعة السياسية الجديدة: وهذا مهم لأن الوثيقة لم تنظر إلى المجتمع فقط كأفراد، بل كقبائل وبطون وتحالفات، وهو أمر طبيعي في مجتمع القرن السابع الميلادي.

 

وثيقة المدينة. (صورة متداولة)

 

أهم بنود وثيقة المدينة
1. تأسيس جماعة سياسية واحدة
تنص الوثيقة على أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم "أمة واحدة من دون الناس". هنا لا تظهر كلمة الأمة بمعناها الديني، بل بمعنى الجماعة السياسية المتعاقدة التي تملك نظاماً داخلياً للدفاع والتكافل والقرار.

2. الاعتراف بالتعدد الديني
من أشهر عباراتها أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. هذه العبارة شديدة الأهمية لأنها تعني أن الانضمام إلى النظام السياسي في المدينة لم يكن مشروطاً بإلغاء الدين الخاص بكل جماعة. فالوثيقة جمعت بين وحدة سياسية من جهة، وتعدد ديني من جهة أخرى.

3. الدفاع المشترك عن المدينة
أقرت الوثيقة أن أطرافها يشتركون في الدفاع عن المدينة إذا تعرضت لعدوان. وهذا يعني أن الوثيقة لم تكن إعلان نوايا أخلاقية فقط، بل نصاً أمنياً ـ سياسياً يحدد من يتحمل كلفة الحرب، ومن يلتزم بحماية المجال العام.

4. تنظيم الديات والفداء
احتفظت الوثيقة ببعض الأعراف القبلية، مثل دفع الدية وفداء الأسرى، لكنها وضعتها ضمن إطار من "المعروف والقسط"، أي ضمن قواعد تمنع الانفلات والثأر المفتوح. وهذا يكشف طبيعتها الواقعية: لم تهدم المجتمع القبلي دفعة واحدة، بل أعادت ضبطه داخل سلطة أعلى.

5. منع حماية المجرمين أو المعتدين
من المبادئ الواضحة في الوثيقة عدم حماية من يرتكب جريمة أو يحدث فتنة. أي أن الحماية القبلية لم تعد مطلقة. لم يعد بإمكان القبيلة أن تغطي على فرد منها فقط لأنه ابنها أو حليفها.

6. مرجعية التحكيم عند النزاع
جعلت الوثيقة المرجعية النهائية في النزاعات الكبرى إلى الله ورسوله، أي إلى السلطة النبوية بوصفها سلطة دينية وسياسية وقضائية في ذلك السياق. وهذا البند هو ما جعل الوثيقة تؤسس لقيادة مركزية فوق القبائل.

7. تحريم المدينة داخلياً
بعض قراءات الوثيقة تشير إلى أنها تضمنت فكرة جعل يثرب حرماً آمناً لأهلها، أي مجالاً لا تُستباح فيه الدماء ولا تُدار فيه الصراعات وفق منطق الغزو والثأر. سرجنت خصّص بحثاً مهماً لتحليل “تحريم يثرب” والعهود مع يهودها ضمن ما سُمّي لاحقاً دستور المدينة.

لماذا تشبه الدستور؟
• لأنها تعرّف الجماعة السياسية: من هم أهل هذا الكيان؟ من يدخل فيه؟ وما طبيعة العلاقة بينهم؟
• لأنها تحدد الحقوق والواجبات: الحماية، النصرة، الدية، الفداء، حرية الدين، الالتزام بالدفاع المشترك.
• لأنها تنظم السلطة والاحتكام: إذ جعلت للنزاعات مرجعية عليا، بدل تركها للثأر القبلي.
• لأنها تحوّل المدينة إلى كيان سياسي: لم تعد يثرب مجرد تجمع قبائل، بل صارت جماعة منظمة لها ميثاق، وحدود ولاء، وقواعد دفاع، وسلطة قرار.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية