‏ وانكسر جناح طائر الروح

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

‏‏ريمون مرهج

 

 

 

‏بعد عقود طويلة من الزمن استسلم طائر الروح معلناً الهزيمة أمام القدر والعالم أجمع، بعدما يئس من الاستمرار في المواجهة، وقد غدا اليوم وحيداً. فملاك الروح قد رحل وترك رداءه على شاطئ الأمل والتفاؤل، وأبحر في محيط اليأس والنسيان. كانت الصدمة كبيرة قاسية، لقد انهار برجه الذي بناه مع الملاك لسنين طويلة حتى غدا جار الشمس وصديق القمر، لا يطاله أي انسان ولا تدوسه الأقدام، فأبوابه مغلقة أمام البشرية جمعاء، ما عدا أصحاب الأفئدة الطاهرة الطيبة التي تتحدث بلغة السماء وهم نادرون جداً.
‏اليوم طائر الروح هوى ووقع أرضاً، فشلال مشاعر ملاكه قد نضب، وجدول أحاسيسه المرهفة قد جفّ، ما سبب له الموت البطيء الذي بدأ يسري سماً قاتلاً في شرايينه، وشرع مرض فتاك ينخر في عظامه حتى تهشم جناحاه وتفكك، فتسمر في مكانه أمام رداء ملاكه المرمي على صخرة حبهما الطاهر. النكبة التي نزلت عليه والفاجعة التي أصابته صيّرته وحولته إلى منحوتة جادمة لا نبض ولا حركة فيها سوى الدمع الذي يتساقط على الصخرة جمراً حارقاً، فأحدث شقوقاً وثقوباً في جوفها حتى صاحت من الألم والوجع: كفى، كفى، كيف تحملت هذا الشقاء والأسى الدامي على مر العصور وبقيت حياً صلباً في رحلة الحياة؟ دمعك يخرق في صدري وأعماقي كخنجر فتاك يمزقني ويشلّع كياني، فكم صبرك جبار وإرادتك للبقاء عظيمة؟.
‏رد الطائر: "أنا أحيا بروح ملاكي، أنفاسه نسيم الحياة في جسدي وعواصف هذا العالم وناره لا تحدثان أي أثر في كياني، فما بيننا رابط مقدس صلب،  يستمد نوره من السماء ولا تهزه أي قوة بشرية على هذه الأرض. لكن اليوم انتهى كل شيء فروحي قد رحلت بعيداً وجسدي غدا ورقة الخريف الصفراء تتقاذفها كل ريح وترمي بها أينما تشاء على قارعة الطرقات الوعرة والمهجورة. 
‏لقد رحل ملاكي  فجأء كالبرق وسقط على مهجتي كصاعقة حرقت كل ما ينبض بالحياة في أعماقي. دون سابق إنذار أطلق سهام الإهمال واللامبالاة في لب حياتي ومضى ببرودة جمّدت الدم في عروقي حتى غدوت مجرد قطعة أثرية لكن لا قيمة لها ولا معنى لوجودها. 
‏لأول مرة أشعر أنه يتحدث عن حقيقة تملّكت فكره وفؤاده وكم كان يطلق كلمات قاسية ومجحفة ولكنني لم أكن أهتم لها لأنني كنت مدركاً أن ما ينطق به فمه غير ما تبوح به روحه بسكون في حنايا قلبي، فكنت أبتسم وأردد له: لا يهمني ما تحدثني به شفتاك إنما ما أسمعه من أعماق روحك. ولكن اليوم حدث الزلزال الرهيب فلقد تحدثت بصدق من ثغرها وفكرها ولم أنصت لأي حرف من أعماقها، لأن لهيب روحها قد انطفأ وغاب نوره الذي كان دوماً مصدراً للرؤية والمعرفة والأمل في حياتي. لقد انتهت الحياة في داخلي وبقي جسد هزيل سقيم عاجز لا معنى لبقائه في هذا العالم...".




اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية