"هوبا هوبا".. ملتقى الروك والشعبي والجذبة وتأملات المجتمع والسياسة والفرد

من “كوكب قريب” في المغرب اسمه الدار البيضاء، انطلقت قبل ما يقرب الثلاثين سنة إحدى أبرز الفرق الموسيقية بالمملكة، التي رفضت الاعتراف بالحدود بين الأنواع الموسيقية، واللغات والدوارج، ولا حتى المواضيع المغنّاة.

“هوبا هوبا”

“هوبا هوبا سبيريت”، فرقة تغني بالدارجة والعربية والفرنسية والإنجليزية وكلمات أمازيغية ومفردات من لغات أخرى. في أغنية من أغانيها قد يتبيّن السامع أثر “الروك” و”كناوة”، وفي أخرى “الريغي”، وفي لاحقة “الراي” و”الشعبي”؛ بل وحتى “طرب الآلة” وتلاوين موسيقية أخرى.

وفي موسيقى “هوبا هوبا” لقاءات غير متوقعة؛ من بينها “جرّة” كمان الشعبي و”القيثار الكهربائي”، كما في أغنية “واكل شارب ناعس”. كما تقترب أغان أخرى من “الراي”، لتقطعه وصلة “ريغي”، أو موسيقات “الجذبة الصوفية”، أو بوق لـ”الجاز”، أو حتى محاكاة لإيقاعات “الآلة”، وغيرها من أنغام الإنسان.

وتفسير هذا الأمر “بسيط”، وفق تصريح المغني الرئيسي للفرقة رضى علالي لهسبريس: “نحب الموسيقى، كمستهلكين لها، وأعتبر مسألة الأنواع الموسيقية كلمة فقط، فما هناك في واقع الحال هو الموسيقى الجيدة والموسيقى المزورة. لذا، لا نبحث عن أصل النوتة هل جاءت من الشرق أو الغرب أو إفريقيا… الموسيقى هي صناعة أحاسيس وإطلاقها، وكل ما سوى ذلك بهارات، ونحن كمغاربة نسمع لكل شيء: لعيساوة وكناوة، والروك، وموسيقى الهيبّي، والموسيقى الفرنسية… وهذا انفتاح علينا استثماره والفرح به، لا أن نحدّ أنفسنا في خانة”.

أنور الزهواني، عضو الفرقة، قال بدوره لهسبريس إن مسألة الموازنة بين الآلات الموسيقية واللغات “ليست صعبة كما يبدو”، مردفا: “نحن أصدقاء بدؤوا الموسيقى بينهم، ولاحظوا أن الموسيقى التي يسمعونها في المغرب لا تتحدث عنهم، ولا يجدون فيها ما يريدون، فقررنا أنه بدل انتظار ما لا يأتي، سنقوم به نحن أنفسنا”.

أما عثمان حميمر ومحمد لعبيدي المعروف بـ”أوبيز” فقالا لهسبريس: “كلنا نحب الموسيقى، ولكل ما يحبه، من أعضائنا من أتى من مدرسة الموسيقى الشعبية والراي، ومنا من أتى من مدرسة الركادة، ومنا محب الروك، ومنا من كانت بدايته مع موسيقى الفرق المعاصرة الإنجليزية… نحو متنوعون، تنوعَ المغرب، وتنوع المغاربة الذين يسمعون عشرين ألف نوع موسيقي في اليوم! لذلك ننتج هذا المزيج”.

“كاتارسيس جماعي”

في نوع من “التطهير الذاتي الجماعي” وجد جمهور “هوبا هوبا” أن الأيام قد غيّرت معاني أغان، كانت كلماتها ساخرة، تعبّر عن “الذي يأتي ولا يأتي” بضرب موعد له في “اليوم الذي يفوز فيه المغرب بكأس العالم!؟”. لتتوالى السنوات وتصير الفرقة تعلّق من فوق الخشبة في حفلاتها على أن هذا الحلم لم يعد مستحيلا كما كان يُتصوّر.

وأكد رضى علالي لهسبريس أنه، بالفعل، “صار هناك تغير في نظرة شعب بأكمله، لم تغير فقط معنى الكلمات؛ بل غيرتنا، وغيرت رؤيتنا لأنفسنا.. وعلينا أن نعتاد هذا الوضع الجديد”.

وحول أغان مثل “بلاك موصيبة” التي كان موضوعها الخسارات الكروية المتوالية وخيبات الجمهور منذ ما يقرب عشرين سنة، واستمرار أدائها في الحفلات رغم اختلاف السياق، أجاب المغني الرئيسي لهوبا هوبا: “أي محب للكرة يخسر، وليست الخسارة وصمَ فرقة معينة أو المنتخب الوطني. لذلك ستغنى دائما، ونحن هنا لننشّط الناس وتأدية ما يطلبونه”.

أما محمد لعبيدي فأجاب عن سؤال هسبريس بقول: “الحمد لله تغير وضع كرة القدم بالمغرب، وتجاوز الفريق الوطني المستوى، ونسير بشكل جيد في كأس العالم بالقارة الأمريكية، فبالتالي أظن أن الوضع لن يتغير”، ثم استدرك مازحا: “لكن إذا لم نرفع كأس العالم، سنعود إلى هذه الأغنية، ونجدد بثها في الراديو”.

مواضيع مبتكرة

من كوكب قريب في رأس الدرب أتانا بطل “الهضرة الفهيم الذي “يفهم في السياسة والدين، والكرة والكرعين (أرجل المواشي المطبوخة)، والجاز حتى هو!”، أو رسالة المواطن الذي تحيّره متاهات الإدارة إلى “السوبّر قايد” طلبا لشهادة الحياة قبل أن يعي أن رجل السلطة هو الذي عليه أن يعدّ شهادة حياته في ثلاثين مليون نسخة، أو حتى تحذير الدول التي تقضم “حلوى” العالم لوحدها، بأن هجرات الإنسان، تؤذن بأنها “قد تختنق من قطعة كعك كبيرة”، وصولا إلى تساؤلات حول الانتماء والشخص والتفرّد: “واش بلادنا هي دارنا ولا حنا غير ساكنين فدار الوالدين؟”.

تتنوّع موضوعات “هوبا هوبا” بتعدّد أنغامها، ودوارجها، مع استمرار روح حيّية مرحة، لم تخفّ مع تقدّم عمر أعضائها المجاوز للخمسين. هذه الروح، حرفيا، تقفز قفزا على المسارح، كما في أحدث عروض الفرقة بالدورة السابعة والعشرين بمهرجان “الصويرة كناوة موسيقى العالم”.

لكن، كيف تبنى موضوعات “الحال الهوباي”؟ أجاب أنور الزهواني بأن “مواضيع حبيبتي تركتني، والأطلال القديمة، والزمن الذي فات… ليست المواضيع التي نتحدث عنها في المقهى بين الأتراب؛ بل نناقش مواضيع مثل: ما موضعي داخل المجتمع، وما يضرني، وما يعجبني”، وهكذا “عندما غنينا، غنينا عما يهمنا، وفوجئنا بأن هذا يهم الكثيرين أيضا، ولله الحمد”.

أما رضى علالي فتفاعل مع سؤال الجريدة الإلكترونية بقول: “المواضيع التي نثيرها بيننا هي التي نغني حولها، فما أقوله هو ما سأحكيه لك وما أغني حوله، ولن أحتاج إلى البحث عن شعر لأزين المسألة”.

التداوي بالموسيقى و”السيلفي”!

تطلب فرقة “هوبا هوبا سبيريت” في محطات من حفلاتها من جمهورها “الوثوق فيها”، وإغلاق الهاتف أو عدسته على الأقل، والتحرّك أو الوجود بشكل لم يستطيعوه من قبل في فضاء عام، وهو ما يواكبه إطفاء الأضواء الساطعة المسلطة على الحاضرين.

يبدأ رضى علالي في الأغلب هذه المرحلة بقول “ثقوا فينا، نحن محترفون”، ليُدخل الجمهور مرحلة “التطهر” أو “التشافي” عبر عدم الاقتصار على الإنصات، بل المبادرة للتفاعل الجهوري وعموم الحركات الممكن إدخالها في باب الرقص.

وحول هذا النوع من التعافي، ذكر رضى علالي لهسبريس أن “مداواة الناس مهمة شريفة؛ وتعني أن تخلق محبة، وتغير جو مكان ما، لينصرف الناس فرحين ومرتاحين”.

ثم استرسل قائلا: “الناس اليوم يستهلكون الموسيقى بشكل فردي، ويمكن أن تعيش سنة وأنت تسمع موسيقاك وحدك، ولكننا كبشر نحتاج روابطَ، ولهذا نذهب للمهرجانات ونتابع كرة القدم… حتى نحس بأن مجتمعا ينبض بأحاسيس جماعية، وهذا عمل الموسيقي، وأنا فرح به”.

أما عثمان حميمر ومحمد لعبيدي فشاركا مع هسبريس قراءتهما للمغرب؛ البلد المشبع بـ”الموسيقى الروحية، التي هي موسيقى تداوي، وتخشع، مثل كناوة”، وبالتالي “يأتينا الناس لا لالتقاط ‘السيلفي’؛ بل للنشاط والقفز والاستمتاع”، ثم ختما تصريحهما في جلسة امتزجت فيها تدخلاتهما: “ينبغي أن تعيش اللحظة، لا أن توثقها وتغيب عنها. فمن يكثرون من تسجيل المقاطع المصورة كأنهم لا يعيشون شيئا، ولا يفرغون (من ذواتهم) شيئا، بينما حضور الحفل نشاطٌ، هدفه تحقيق الارتياح”.

The post "هوبا هوبا".. ملتقى الروك والشعبي والجذبة وتأملات المجتمع والسياسة والفرد appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress