هندسة وعي الناخب المغربي في عصر شبكات التواصل الاجتماعي!

تشهد الساحة السياسية والحزبية في المغرب تحولات عميقة ومتسارعة مع اقتراب المحطات الانتخابية، وهي تحولات باتت تثير الكثير من التساؤلات والقلق لدى المتتبعين للشأن العام. فمن خلال رصد ما يروج في الصحافة الوطنية وما يتدفق عبر منصات التواصل الاجتماعي، يستشف المتابع أن هناك “ماكينات” اشتغال متطورة تهدف إلى إعادة إنتاج النخب التقليدية، أو ما يُعرف في الأدبيات السياسية والسوسيولوجية المغربية بـ”الأعيان الانتخابيين”، وذلك عبر آليات ترويجية رقمية تفرض بروفايلات معينة لتمثيل الأمة داخل قبة البرلمان.

إن المشهد الحالي يعكس مفارقات غريبة في الحياة الحزبية، لعل أبرزها ظاهرة الانتقالات الحزبية العابرة للأيديولوجيات (الترحال السياسي)؛ حيث نجد سياسيين ينتقلون من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين دون أدنى حرج سياسي أو أخلاقي. في هذا السياق، يتحول أعداء الأمس إلى حلفاء اليوم، وحلفاء الأمس إلى خصوم بين عشية وضحاها، مدفوعين برغبة جامحة في الوصول إلى المقعد البرلماني كغاية تبرر كل الوسائل. واللافت للانتباه هو وجود جهات على منصات التواصل الاجتماعي تسعى جاهدة لتطبيع هذه السلوكيات الانتهازية وتقديمها للرأي العام في قوالب تسويقية براقة، كما لو كانت ممارسة ديمقراطية طبيعية وصحية.

من الناحية السوسيولوجية، يحيلنا هذا الوضع على بنية “سلوك الأعيان” في الحقل الانتخابي المغربي. يرتكز نمط الأعيان تاريخياً على توظيف شبكات المصالح الشخصية، والقرابة، والنفوذ المالي والرمزي لضمان الخزان الانتخابي. غير أن الجديد اليوم هو “عصرنة” هذا السلوك؛ فبعد أن كان العيان يعتمد على الاتصال المباشر والوساطة التقليدية، أصبح اليوم يوظف التكنولوجيا الرقمية وشركات التواصل لتسويق صورته. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي هنا دوراً مزدوجاً: فمن جهة تساهم في تسطيح وعي الناخبين عبر اختزال البرامج التنموية في شعارات جوفاء وفيديوهات دعائية ممولة، ومن جهة أخرى تسعى إلى توجيه الرأي العام وإقناعه بأن “الأحزاب كلها متشابهة” وأن المراهنة يجب أن تكون على “الشخص” (المرشح) وليس على المشروع السياسي، وهو ما يشرعن الانقلابات الحزبية ويجعلها سلوكاً عادياً لا يستدعي الإدانة.

إن الخطورة في هذه الممارسات لا تقف عند حدود تدني مستوى النقاش السياسي، بل تمتد لتصنع “العزوف الانتخابي” بشكل ممنهج. فعندما يرى المواطن أن نتائج بعض الدوائر الانتخابية يجري ترتيب الفائزين فيها وإعلانها بكل وثوقية في الصالونات الافتراضية والواقعية حتى قبل إجراء الاقتراع بأسابيع، يتولد لديه شعور بالعدمية السياسية وبأن صوته لا قيمة له. هذا الترتيب المسبق والتحكم المفترض في الخريطة الانتخابية ينعكس سلباً على نسب المشاركة، ويقتل ما تبقى من أمل في التغيير عبر الصناديق، مما يحول الانتخابات من محطة للمحاسبة الديمقراطية إلى مجرد “محطة عبور” نحو ريع المقاعد والامتيازات داخل المؤسسات المنتخبة.

إن التعامل مع الناخب المغربي من خلال المنطق الرقمي الجديد كـ”كتلة قابلة للتوجيه” دون إرادة أو وعي نقدي، يجسد قمة الرداءة التواصلية والسياسية. ولمواجهة هذه الظاهرة، باتت الحاجة ملحة إلى بحث اجتماعي وسياسي دقيق يفكك خلفيات وأبعاد وتداعيات هذه التحولات، ويعيد الاعتبار للوظيفة الحقيقية للأحزاب السياسية كأدوات للتأطير والوساطة، وللصحافة كمنبر للتنوير وليس “للسخرة الإعلامية” وخدمة أجندات الأحزاب السياسية الفاسدة.

اقرأ المقال كاملاً على لكم